تجربة الحياة في بلد تبعد آلاف الأميلل عن الأهل والاصدقاء والبيئة التي نشأت فيها، ليست تجربة بسيطة على الإطلاق لكنها بالتأكيد تتمتع بمميزات غنية بالنسبة للمبتعث، فهي تجربة رائعة وإستثمارٌ لحياة الفرد في إستكشاف المجتمع الآخر، كالاطلاع على ثقافات وعادات جديدة والبحث عن الموارد المتوفرة التي تعود لنفع الوطن.

لا شك أن رحلة الابتعاث تعد خط الانطلاق إلى منصة التتويج، والتي لا تقتصر على التعليم فقط، بل زاخرة ووافرة بتجارب عديدة، وفي هذه المقالة أكتب لكم عن تجربتي في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي تجربة مختلفة تماماً كوني من فئة الصم وضعاف السمع. 

قبل الاقتناع بفكرة السفر إلى بلد الابتعاث ولعلي أسميها ما قبل أمريكا، لم أدرك بأن هناك جامعة عالمية تسمى Gallaudet «جالوديت» تصل عمرها لأكثر من ١٥٠ عاماً، صممت خصيصاً من أجل تعليم الصم وضعاف السمع، وكان اختياري للدراسة فيها تحديداً لرغبتي في خوض تجربة جديدة، ولجودة التعليم فيها وحب مجال التقنية، الذي يظل هذا المجال غير متاح حتى الان في الجامعات السعودية، وحينها كنت قد أتممت تعليمي لغة الإشارة السعودية بعد مخالطتي بمجتمع الصم قبل الابتعاث.

في الثلث الثاني من عام ٢٠١٤ أتيت إلى أمريكا حاملاً حقيبة مليئة بالأحلام ومتفائل بالتغيير مستقبلاً، وبصيص الأمل وشعاع النور يلوح لي في الأفق. وعلى الرغم من صغر سني آنذاك ١٨عاماً، إلا أني كنت أملك خبرة برمجية بسيطة في إنشاء أول صفحة ويب بواسطة برنامج Hypertext Markup Language. وأطمح في إحداث نقلة نوعية بدمج الصم مع مجتمع السامعين عبر التقنية بعد توفيق من رب العالمين.

بعد بضع خطوات من السير داخل الحرم الجامعي بجامعة Gallaudet «جالوديت» لأول مره شعرت بعدم الطمأنينة وكأني سلكت مسار خاطئ باختيار جامعة يتم التدريس والتواصل بها باستخدام لغة الإشارة، وهذا لم اعتد عليه فشعرت برغبة شديدة في الرجوع إلى الوطن، إلا أن الوقت كان كفيل بتغيير تلك الرغبة التي راودتني في بداية مساري، وتكيفت بالاستقرار بعدها. أتقنت لغة الإشارة الامريكية في مدة لم تتجاوز خمسة أشهر، وهو معيار منخفض للأمانة إذ أن غيري من الطلبة الصم يتعلمونها بسرعة فائقة في أسابيع قليلة، وسبقوني كثيراً إلا أن اختلاف قدرات المتعلم في حاجته لإتمام هذه اللغة قد تصل لعام أو أقل.

كانت عائلتي في السعودية تخشى علي من صعوبة حديثي مع المجتمع الأمريكي لضعف السمع لدي، إلا أنني في معظم الأحيان أستخدم وسيلة التواصل بالكتابة في حال عدم قدرتي على قراءة الشفايف لبعض الكلمات، ولاحظت أن المجتمع متقبِّل جداً ويحترم الطريقة التي أقوم بها، ولعلي أذكر موقفاً في تعامل الشعب الأميركي مع فئات الصم وضعيفي السمع، إذ أنني ذات يوم وأنا أنقل أثاثي من سكن قديم إلى سكن جديد بعد ما تم الحجز والتواصل معهم عن طريق الانترنت، دون علمهم بأني ضعيف السمع، وعندما التقيت بهم بعد الانتقال والحديث معهم فوجئت بتسرع إدارة السكن لتثبيت الكواشف الضوئية لإنذارات الحريق في المبنى بالكامل بعد أسابيع قليلة من إنتقالي لها.

من الخدمات المجانية المقدمة التي سهلت حياة المبتعثين من الصم وضعاف السمع اجراء اتصالات عبر تقنية الترجمة المرئية، والتي تتيح بكل راحة الاتصال على الرقم المراد التواصل معه كفكرة الهواتف المنزلية، ولكنها بطريقة مختلفة أي لها ثلاثة قطع (كاميرا توضع أعلى التلفاز، وجهاز التحكم عن بعد «ريموت»، وجهاز الاستقبال «ريسيفر») ويظهر المترجم على الشاشة عند تلقي الرقم الذي تم ادخاله من قبل المستخدم والاتصال به، فهذه الخدمة (الترجمة المرئية) خدمة مجانية، ولكن في الحقيقة ليست كذلك، ولها نسبة معينة من الرسوم المفروضة في الضريبة التي يدفعونها سكان الولايات المتحدة.

ختاماً، تعلمت من تجربة «حياة الغربة» الإحساس بالمسؤولية، وإدارة الوقت، والاعتماد على الذات، وأحببت العمل التطوعي بشكل لا يعقل، والتأقلم مع الظروف صعبة كانت أو سهلة، ويعضاً من مهارات الطبخ، حتى وإن كانت في البداية تقنية المايكرويف المنقذ لي في معظم الأيام لتسخين الأكلات الجاهزة. عموماً شكراً لأهلي سندي في غربتي، ولكل من ساعدني.

 

بقلم: ياسر الهزاني

طالب بكالوريوس تقنية معلومات 

تحديثات فيسبوك وتويتر