في أول يوم لك في هذا المكان الغريب وعند محطة الوصول، وفي اللحظة التي تستنشق فيها هواءاً لا يشبه الوطن، ستدرك واقعك، وتقف في المنتصف بين باب حُلمٍ على وشك أن يُفتح، وبابٍ بالكاد يتسع لك ولحقيبتك، وخلفه الكثير من الأشياء التي تحب، ولكن يجب أن يُغلق.

لقد اخترت طريقك، وكم تمنيت أن تحمل وطنك وعائلتك والأشياء التي تحب معك أينما ذهبت، ولكنك لا تملك سوى حقيبة سفر وقلباً يحمل كل هذا الحب. لقد تعلّمت من اللحظة التي أُغلق فيها باب الطائرة أول درس، ربما لتحصل على شيء عظيم يجب عليك أن تترك شيئاً مقابل ذلك، إنه قانون التوازن. فالأرض وعلى الرغم من حجمها وعظمتها، هي تفقد في كل ثانية أرواح، وتحتفل في مكان آخر بميلاد جديد.

ومنذ تلك اللحظة وحتّى آخر يوم في هذه الرحلة، ستتعلم من مواقف الحياة فوق ما تتخيّل. في بداية الغربة ستحاول أن تتسابق مع قانون الزمن، ستظن أنه قابل للكسر، ستُخبر نفسك بأنك ستنجز هذا الحلم سريعاً وستعود. وفي كل مرة تعود فيها ستدرك أن وجوهاً صغيرة قد خُلقت، وملامحاً بريئة قد كَبُرت، وقلوباً قد شاخت، وأرواحاً قد رحلت، وأسماءاً وعناوين كثيرة قد اختلفت. في منتصف الطريق، ستدرك أنك كنت مخطئ لأنه ومهما امتلكت من الذكاء وأبدعت في اختصار الطرق لا أحد باستطاعته الفوز أمام سباق الزمن. هو لم يُخلق ليتوقف على فراق أو موت أحد. وأنت بهذا الصراع ستخسر أكثر مما تكسب، وأحد أعظم خسائرك هي أنك لم تتعلم كيف تعيش اللحظة، لم تتعلم كيف تعيش في عمق التجربة، ولم تتقبل نتائج الزمن عليك وعلى من هم حولك، كنت بجسدك هنا وبقلبك في مكان آخر.

ولأنك في محطة سفر، سيعبر من أمامك الكثير من البشر، بعضهم سيطيل البقاء لأن وجهته تشبه وجهتك، والبعض الآخر سيعبر من أمامك ويرحل، باختياره أو مضطراً. ولكن لا أحد سيبقى بنفس الحال معك. لتتعلم أن لا تتوقع البقاء، ولا تُعلّق أهدافك ببشر. بكل حُبّ، سلامٌ لمن آتى، ووداعاً لمن رحل.

ربما ستختار تغيير مسارك لكي تكون في حركة تتناسب مع هدفك وتتماشى مع التغيرات من حولك، ستتعلم أن تُغامر وتضحي وأن تتحمل نتائج الفشل كما النجاح، ستطيل الوقوف في منطقة الراحة، حتّى تجد أنك تدور في دائرة مغلقة، ثم تتعلم الشجاعة. ستواجه كُل المعتقدات والأصوات التي كبرت معك، وأقنعتك بأن الأحلام مشروطة، أو أخبرتك بأنه ليس من حقك أن تحلم. ستواجه أياماً تسأل فيها نفسك إن كان هذا الحلم يستحق؟ وتمر الأيام لتدرك أنها كانت لحظة ضعف، وستواجه مثلها بين الحين والآخر، وبين كل شوق وخيبة أمل.

أنت في سفر دائم، بين القلوب والعقول، بين الأفكار والأحداث. ستتعلم أن تسامح لكي لا تُثقل خطوتك، وستتعلم أن تكمل رحلتك وأنت مُحمّل بالأسئلة النابعة من الفضول، وليس مثقلاً بالأحكام والظنون، وستدرك أنه من الحكمة أن تسعى لترك أثر طيب أثناء عبورك، وأن لا تحارب لتبقى في مكان لا يسعك أو لا يستحقك. هي فرصتك لتتعلم من هذه الرحلة من أنت، وماهي قيمة نفسك، وماهو هدفك وأين طريقك؟ وهل كل شيء تفعله في هذه اللحظة يخدم هذا الهدف أو يُعيقه؟

وإن كنت ممن يسعى لأن يصلح نفسه، وأن يفكّر ويتفكّر بالحياة وبتجاربه، ستجد أن الغربة قد خلقت بداخلك روح المسافر، الذي يحمل حقيبته، وهدفه وأحلامه، ووطنه وكل ما يحب. يتنقّل بهم بين المدن، الأفكار، واللغات وعلى الرغم من كل الإختلافات، يخوض تجارب ليفهم نفسه ويُثري غيره، ويكبر بالتحديات. إنها روح المسافر الذي عقد السلام مع الزمن وعينيه في فضول، ليكتشف الجمال بكل قلب وأرض بدون أن يتعلق بأحدهم. وفي آخر يوم لك في هذا الوطن، وعند لحظة إقلاع الطائرة، ستدرك أنك في هذه الدنيا لست سوى مسافر، وأن لكل رحلة موعد مغادرة.

 

بقلم: صبا اللقماني

تحديثات فيسبوك وتويتر