السنين عبارة عن شقق سكنية عقدها 12 شهراً فقط، إذا كنت من الأكثر حظاً، فستغادرها في شهرك الأخير دون أن تأخذ مما وضعت فيها شيئاً، وقبل أن توصد أبوابها ونوافذها بأقفال الحديد ولا يسكنها أحد من بعدك أبداً، وحيث أن كلنا هذا الساكن المرتحل، هذه ثلاث نصائح للمبتعثين بخصوص الساكن الجديد  1438هـ.

  1. حتى لا تنكسر الجرة.. أضيء المصباح!

رأى أحدهم أعرابيا ضريراً يحمل فوق ظهره جرة في ليلة ظلماء من ليال الكوفة وفي يده مصباح يضيء به الطريق، فقال له: ما تفعل بالمصباح وقد ذهب الله ببصرك، فرد الشيخ: إنما أحمله حتى يراني أمثالك، فلا يصطدم بي، فأسقط وتنكسر جرة العسل!

هذا الشيخ ينقصه البصر، لكن لديه المصباح الذي يضيء به الطريق لغيره، ولديه الإصرار الذي يحمله على أن يسير ليلاً، وعلى ظهره جرة من العسل.

و في الحياة كثيرون مثل هذا الشيخ، تنقصهم الخبرة  لكن ليس المصباح وتنقصهم المؤهلات، لكن ليس جرة العسل، لأن الخبرة والمؤهلات مكتسبات الظروف، ينفذن ويذهبن، ويبقى من ورائهن القلب المضيء مثل المصباح.

تفحص فريقك، وابحث عن المصباح في قلوب العاملين معك من غير ذوي الخبرة ، ومن غير ذوي المؤهلات، ولا يعني ذلك أن الخبرة والمؤهلات ليست مهمة، بل هي مهمة وأكثر أحيانا، لكن مثل العينين للإنسان السوي، فكم من عينين بلا بصر، وكم من بصر بلا عينين!

  1. البساطة جوهر الأناقة

كان انشتاين يستحم بنفس الصابون الذي يغسل به شعر رأسه الذي تميز به، وهو نفس الصابون الذي يستخدمه للحلاقة، كان يقول يكفي الحياة تعقيداً أن تحلق بصابون غير الذي تستحم به! وعلى أنها ليست دعوة إلى تقليد صاحبنا انشتاين إلى هذه الدرجة المزرية، لكنها دعوة إلى البساطة على أي حال.

يأتي الإنسان إلى الدنيا مجردا من أي شيء، ويغادرها مجردا من كل شيء، ومابين المحطتين، يدعوه الإيمان إلى الزهد الورع والتقشف، وإلى الابتسام والصدق والتبسط في سائر الأمور، فالإيمان متضامن مع قيم الجمال، احمل من الدنيا كل مايزيد في قيمتك ولا يراه الناس، اجمع الحب والعلم والمعرفة والحكمة، و الإيمان يرى أن كل ما تجمعه من الدنيا متاع وزينة وألوان ليست بأكثر من ألبسة إضافية ترتديها فوق نفسك الشفيفة حتى تثقلك، فتخيل نفسك وأنت ترتدي كل الألوان، و تضع كل الإكسسوارات، وقتها تكون "دونكيشوتيا" مضحكاً من العصور الوسطى لاتنقصه سوى الحربة، فكن بسيطا يا صديقي، تكن أنيقا!

  1. ارسم الحدود، واغلق هاتفك!

ثورة الاتصالات ثورة على الحياة، بسببها انغرزت مخالب المادة أكثر وأكثر في حياة الشعوب، ضاعفت إنتاج الفرد إلى أضعاف كثيرة، وأخرجت الإنسان من حدود نفسه، فأصبح يعمل من المكتب، البيت، المقهى، مواقف السيارات وحتى من على ارتفاع 40 ألف قدم، تجده منحنياً على حاسبه المحمول، يعمل، ويعمل ويعمل!

عملاق الاتصالات إريكسون أجرت بحثا في عام 2011 ، لتجد أن 35% من مستخدمي أجهزة الآيفون والآندرويد يتفحصون بريدهم وحسابهم على الفيسبوك قبل أن ينهض أحدهم من الفراش!

أمران خطيران إذاً، احتلال المعلومات، واجتياح الاتصالات لكيان الإنسان اليومي، والإنسان هو الغازي  والمغزو.

لكل من احتلته المعلومات، ارسم حدود حياتك للعام الجديد، وضع الأسلاك الشائكة بحيث لا تسمح للانترنت وتطبيقاتها أن تتجاوزها فتتسلل إلى لحظاتك الجميلة برفقة إخوتك، أطفالك وأصدقائك ، أو برفقك كتابك، أو حتى برفقة نفسك، في الذاكرة لا يمكن أن تكون اللحظات إلا كاملة الجمال، أو أن تكون منزوعة الجمال.

و لكل من احتلته الاتصالات، هل تتفق معي أن رسالة مكتوبة بخط اليد من صديق أو قريب فيها ألف رائحة وألف معنى تعجز عن إيصاله لك كل رسائل البريد الإلكتروني، وأن تهاني الهاتف البلاستيكية بمناسبة العيد لايمكن أن تحل محل تزاور الأقارب والأصدقاء ولا أن تنسيك ضحكاتهم في ليالي العيد!

قد تنقل الاتصالات الكلمة والمعنى، لكن ليس دفء المشاعر، ولا حميمية الأحاسيس، جرب أن تترك هاتفك مغلقا في بيتك أو في مكتبك، واكتب رسالة ورقية بخط يدك إلى أقرب الناس إليك، وارسلها بمناسبة العام الجديد، واترك للأيام بعضا منك عند من تحب.

أخيراً، كل عام وأنتم بألف خير.

 

علي الحدور

 مبتعث لدراسة الماجستير والدكتوراة في علوم الحاسبات بجامعة سيراكيوز

تحديثات فيسبوك وتويتر