عبدالله باكير * 

جبل الجليد 

بعد زيارة طبيب الحمل الحرج؛ بدا الأمر وكأنني كنت أنظر للجزء البسيط الظاهر من الجبل الجليدي، وكل مرة كنت أغوص تحت الماء كنت أكتشف أن حجم الجبل وجذوره أكبر مما كنت أتصور! فمع كل فحص جديد كانت تقوم به زوجتي كنا نفاجأ بأمر جديد لم نكن نتوقعه. مرت تلك الأيام العشر ببطء شديد، وقد بدأ التوتر يؤثر سلباً على زوجتي بشكل كبير، فقد أصبحت مراجعتنا للمستشفى في توسكالوسا كل يومين لعمل تخطيط قلب للجنين، وفي رابع زيارة لها لتخطيط القلب كانت تحس بإجهاد شديد على نحو يختلف عما اعتادت عليه، فطلبت من الطبيب فحصها ليكتشف الطبيب بأنها كانت تعاني من ارتفاع طفيف في ضغط الدم فطلب منها البقاء لمدة ساعة تحت الملاحظة الطبية، ولما انقضت الساعة تم فحص ضغطها مرة أخرى ليجد الطبيب بأنه قد عاد لمستواه الطبيعي فما كان منه إلا أن سمح لها بالخروج وطلب منها أن تلتزم بالراحة طوال اليوم وإذا ما عاودها نفس الاجهاد فلابد من مراجعة المستشفى على الفور.

في اليوم التالي، ذهبنا للموعد بمستشفى برمنجهام وحانت لحظة دخولنا على طبيب القلب المتخصص بالأطفال ولقد كنت وجلاً ومضطرباً جداً ولم يفتر لساني وقلبي من دعاء المولى سبحانه بأن تسير أمورنا هذه المرة على ما يرام، دخلنا على الطبيب وقد كان هادئاً جداً وقليل الكلام حيث عرفنا بنفسه وعلى الفور بدء باستخدام جهاز السونار لالتقاط الصور للجنين، وفي هذه المرة بالطبع كان التركيز بشكل مباشر على القلب فقط للتأكد من صحة تكهنات طبيب الحمل الحرج. وبعد عدة دقائق من التصوير والفحص من عدة زوايا لمحت بوادر ابتسامة على وجهه فنظرت في الشاشة لألاحظ بأن هناك حجيرات مكتملة بالقلب، حينها التفت الطبيب لزوجتي وأخبرها بأن القلب سليم ومكتمل الحجيرات ونبضه مستقر كذلك، ولكنه أستدرك قائلاً بأنه لن يستطيع إثبات أو نفي الملاحظة الأخرى التي أثارها الطبيب الآخر حول الشريان الأبهر نظراً لوضعية الجنين والتي لم تمكنه من الوصول لصورة واضحة، إلا أنه طمأننا بأنه نظراً لاستقرار نبضات القلب فهذا يعد مؤشراً إيجابياً.

عندما سمعنا تعليق الطبيب بدأنا نشعر بنوع من الطمأنينة وبدأت زوجتي تستعيد تفاؤلها بأن الأمور ستكون بخير، خصوصاً عندما علق الطبيب بعد ذلك قائلاً بأنه ليس لديه قلق حول حالتها بل وقد لا تكون الحاجة ملحة لتوليدها في مستشفى مدينة برمنجهام. فخرجنا يومئذ من عند الطبيب بنفسية غير تلك التي كانت عندنا قبل الدخول عليه، فلقد أحسسنا بسعادة غامرة عندما علمنا بسلامة قلب الجنين.

رجعنا لمنزلنا من تلك الزيارة وكان موعدنا مع طبيب الحمل الحرج بعد أسبوع للاطلاع على نتائج تقرير طبيب القلب، ارتاحت زوجتي في المنزل وطلبت منها عدم بذل أي مجهود قد يرهقها، ومرت تلك الليلة بشكل طبيعي، إلا أنه بعد مضي يومين أحست بالتعب الشديد خلال فترة المساء مما دعانا للذهاب للطوارئ على الفور، وعندما دخلت الطوارئ تلك الليلة بقيت لمدة تقارب الساعة تحت الملاحظة ثم عادت للمنزل بعد ذلك، لنذهب في اليوم التالي للطبيب في مستشفى توسكالوسا لعمل تخطيط لقلب الجنين أيضاً ولنخبره بأن زوجتي قد ذهبت للطوارئ في الليلة الفائتة. وقد طلب الطبيب منها الاستمرار على هذا المنوال للتأكد من عدم حدوث أي مضاعفات وإبقاء الأمور تحت السيطرة.

أحست زوجتي بالتعب مرة أخرى في الليلة التالية فذهبنا للطوارئ وكالعادة بقيت تحت الملاحظة الطبية ولكن هذه المرة طلبت الطبيبة المناوبة في الطوارئ عمل فحص دقيق للبول نظراً لوجود بروتينات في البول وهو مؤشر لا يعد إيجابياً إذا كان بنسبة كبيرة فيه، والطريقة الوحيدة للتأكد من أن النسبة ليست خطرة هي بعمل فحص دقيق والذي يتم فيه تجميع كافة كميات البول للمريض على مدى 24 ساعة وإيجاد نسبة تركز البروتينات في البول، وبالتالي يستلزم الأمر تنويمها في المستشفى خلال هذه المدة، لكن زوجتي رفضت وطلبت من الطبيبة أن تسمح لها بالخروج للمنزل وهناك هي ستتولى جمع العينات بنفسها وحصلت على التعليمات من الطبيبة حول ما يجب عمله بخصوص الجمع والحفظ للعينات، وقد رجعنا للبيت آنذاك وقد تجاوز الوقت منتصف الليل وعلى الفور قامت زوجتي بالبدء بتجميع العينات حسب المطلوب وعند مرور 24 ساعة تم تسليم العينات للمستشفى ليتم إجراء التحليل اللازم والذي تحتاج نتائجه ليومين تقريباً.

بعد ذلك بثلاثة أيام وكان ذلك يوم الجمعة الموافق 13 ديسمبر 2013م ذهبنا لمستشفى برمنجهام في الموعد الذي حدده طبيب الحمل الحرج لمراجعته ومناقشة تقرير طبيب القلب، ذهبت وزوجتي في الصباح الباكر ورافقتنا ابنتنا نظراً لغيابها بسبب وعكة صحية، لم يكن طبيب الحمل الحرج متوفراً ذلك اليوم ولكن أتت إلينا الطبيبة التي تنوب عنه وتحدثت معنا حول ملاحظات طبيب القلب وأنه لا يوجد شيء مؤكد فيما يخص الشريان الأبهر، واردفت بأن الطبيب الأساسي يرى بضرورة الولادة في مستشفى برمنجهام تحسباً لوجود مشكلة في القلب تستدعي تدخلا طبيا طارئاً كما طلبت الطبيبة من زوجتي الاستمرار بمتابعة تخطيط القلب كل يومين لحين موعد الولادة، وحددت لنا موعد متابعة آخر بعد عشرة أيام.

قبل خروجنا من عند طبيبة الحمل الحرج أخبرتها بارتفاع ضغط الدم والتحليل الذي تم في مستشفى توسكالوسا قبل ثلاثة أيام، فما كان منها إلا أن قامت بفحص ضغط زوجتي ورأته مرتفعاً ايضاً، فبعثت بنا مع إحدى ممرضاتها لطوارئ النساء والولادة بالمستشفى لتبقى تحت الملاحظة لحين رجوع الضغط لمستواه الطبيعي.

عندما وصلنا لطوارئ النساء، تم فحص ضغط زوجتي وكان مازال مرتفعا وتم عمل تحليل بول سريع أظهر وجود بروتينات في البول، ومن ثم حضر الطبيب المشرف على القسم لتلك الفترة وأبلغنا بأن زوجتي ستبقى قيد الملاحظة لمدة يومين حيث سيقومون في المستشفى بإعادة التحليل الدقيق للبول، ولن يسمح لها بالخروج إلا بعد ظهور نتائج التحليل والتي من المتوقع أن تظهر فجر يوم الأحد، فإن كانت نسبة البروتينات في البول وفق الحد الآمن واستقر ضغطها فربما يسمح لها بالخروج للمنزل، وإن تجاوزت نسبتها الحد الآمن فمعنى ذلك بأنها من الممكن أن تكون قد أصيبت بأحد أنواع تسمم الحمل وبالتالي ستقضي بقية الأسابيع في المستشفى لحين موعد الولادة. بالرغم من استياء زوجتي بسبب موضوع بقائها في المستشفى لمدة يومين؛ إلا أن حرص فريق الطوارئ على سلامتها ودقتهم في أداء عملهم ومراجعتهم لكل تفاصيل ملفها الطبي أشعرنا بالراحة نوعاً ما. وقد طلب الطبيب من الممرضة إعطاء زوجتي ابرة لتسريع عملية نمو الرئة لدى الجنين وهي عبارة عن جرعتين بينهما فاصل زمني مدته 24 ساعة، وعندما سألناه ما الذي يدعوه للعجلة؟ أخبرنا بأنه لا يوجد مخاطرة من أخذها مبكراً وإن كانت الولادة بعد أسابيع، ولكنها ضرورية في حال تم توليدها في فترة أقرب فاقتنعت زوجتي وحصلت على جرعتها الأولى، وعلى الفور رجعت لوحدي لمدينة توسكالوسا لإحضار ابني من مدرسته وتجهيز بعض الملابس التي سنحتاجها لتلك اليومين التي سنقضيها مع زوجتي في المستشفى.

في هذه المرة كان إيقاع ضغط الدم مختلفاً، فمعدل التذبذب كان أعلى وبدا أنه لن ينخفض بشكل سريع مثل المرات السابقة، ولكن كانت المتابعة من قبل الممرضات مكثفة لإبقاء الضغط تحت المراقبة، وكل ساعة تدخل الممرضة لتكشف عن الضغط وتتأكد من أن زوجتي مستمرة بجمع عينات البول، ومر يوم الجمعة ويوم السبت على هذا المنوال فلم نستطع النوم بشكل كافٍ من كثرة دخول الممرضات والأطباء علينا في الغرفة.

صباح يوم الأحد الموافق 15 ديسمبر 2014م، أيقظنا دخول الطبيب علينا في الغرفة ويتبعه الممرضات بسرير نقل المرضى وقد سأل على الفور إن اخذت زوجتي الجرعتين المطلوبة من المصل المسرع لنمو الرئة وقد أخبرته الممرضة بأن زوجتي قد استوفت الجرعتين، فأخبرنا بأنه سيتم أخذها لغرفة العمليات وتوليدها على الفور نظراً لأنها أصيبت بتسمم حمل متقدم، ارتبكت زوجتي فلم تدر كيف تتصرف وقد تفاجأنا جميعاً بأمر الولادة المبكرة، ولكنني حاولت تهدئة زوجتي بسبب الهلع الذي أصابها وطمأنها بأنني سألحق بها وأكون معها في غرفة العمليات، وعلى الفور تم أخذها لغرفة العمليات وبعد أن ذهبن الممرضات بها لغرفة العمليات توجه إلي الطبيب وطلب مني التماسك وعدم الخوف بسبب كثرة عدد الأطباء في غرفة العمليات وأردف قائلاً بأننا محظوظون بأنها مازالت على قيد الحياة نظراً لأن نسبة البروتينات في البول قد جاوزت النسبة الآمنة بمقدار عشرة أضعاف، نزلت كلماته في أذني كالصاعقة واختلطت مشاعري بشكل لا يمكنني وصفه فما بين شعور بالفرحة لبقاء زوجتي على قيد الحياة وقلقي عليها من العملية وبين توتري لوضع الجنين في بطنها، لم ينتظر مني الطبيب أي تعليق فقد انطلق على الفور للحاق بزوجتي لغرفة العمليات، وطلبت من ابنائي ارتداء ملابسهم بشكل سريع للحاق بأمهم، ودخلت المرحاض أطلق العنان لدموعي ومخاوفي دون أن يراني أطفالي فيصيبهم الهلع، وبعد أن فرغت من ذلك أخذت أبنائي وذهبنا لغرفة انتظار العمليات.

لقد كانت ثلاثون دقيقة عصيبة ونحن في غرفة الانتظار نترقب أي أخبار من الطبيب أو إحدى الممرضات، بعدها أتاني أحد الأطباء وطلب مني لبس الرداء الخاص بغرفة العمليات للدخول على زوجتي وأخبرني بأنهم مازالوا في منتصف إجراء عملية الولادة، وعلى الفور طلبت من ابني وابنتي الهدوء وطمأنتهم بأني سأدخل للاطمئنان على أمهم ولن أطيل، ولكن عندما دخلت غرفة العمليات أحسست بأن قدماي غير قادرتان على حملي من هول ما أرى من كثرة الأطباء فلقد كان الفريق العامل بالغرفة ما يزيد عن الخمسة عشر شخصاً ما بين طبيب ومساعد، وكان الجميع في حال تأهب في حال حدثت أي مضاعفات لزوجتي أو اضطروا لإجراء عملية قلب عاجلة لطفلي، لقد دخلت سابقاً غرفاً للعمليات ولعدة مرات سواءً مع زوجتي أو في عمليات أجريت لي، لكنها لم تكن أبداً مهيأة بمثل ما رأيته من أجهزة ومعدات في هذه الغرفة فلقد كانت الغرفة وكأنها إحدى خطوط الإنتاج في مصنع ضخم للسيارات، أمسكت بيد زوجتي أطمئنها وكانت في مرحلة ما بين الوعي واللاوعي، ومرت عشر دقائق ليعلن الجراح إخراج الطفل من أحشاء أمه وعلى الفور أخذوه لغرفة عمليات أخرى ليفحصوا قلبه ويتأكدوا من مؤشراته الحيوية، وبعد مدة عادوا به إلينا وهو في جهاز الحاضنة وقد اخبرونا بأنه تم التأكد من وجود مشكلة لديه في القلب ولكنها لا تستدعي التدخل الجراحي السريع، عندما رأت زوجتي فلذة كبدها أمام ناظريها ارتاحت وأطلقت العنان لعينيها لتغط في سبات عميق، وخرجت أنا لأبنائي اطمئنهم بسلامة أمهم وأخيهم الجديد.

رجعت زوجتي لغرفتها وكانت اليومين التاليين للعملية مرهقة جدا، فبالإضافة للآلام المبرحة الناتجة عن العملية فقد كان يتم حقنها على مدار الساعة بمادة المغنيسيوم لمكافحة أثر التسمم وكان يتم فحص ضغط دمها كل نصف ساعة خلال الاثني عشر ساعة الأولى بعد الولادة، ثم أصبح بعدها فحص الضغط كل ساعة، وبعد مرور أربع وعشرين ساعة أصبح الفحص كل أربع ساعات واستمر ضغطها فوق المعدل الطبيعي عدة أسابيع بعد ذلك، وقد أجريت لها أيضاً العديد من الفحوصات والتحاليل للتأكد من عدم تأثير التسمم على أي من الأعضاء الداخلية بالجسم.

بين المطرقة والسندان

صباح اليوم التالي بعد الولادة حضر الينا رئيس قسم أمراض القلب للأطفال وعرفنا بنفسه وأخبرنا بأنه قد عمل سابقاً بالسعودية وقد عاش في مدينة الرياض عدة سنوات ومازحنا قليلاً، وبعد مقدمته البسيطة أخبرنا بأنه قد اجرى العديد من الفحوصات لطفلنا وقد تأكد بأن هناك مشكلتين بالقلب إحداهما كبيرة تتمثل في وجود فجوة بين الشريانين الرئيسيين بالقلب تمنع ضخ الدم بشكل متوازن بين أعضاء الجسم والأخرى عبارة عن ضيق بأحد الشرايين، واستطرد قائلاً بأنه منذ أن تم التشخيص وهو يتراسل مع أشهر مراكز العلاج الأخرى في أمريكا للتأكد مما يمكن فعله في حالة ابني، فالوضع كان صعباً جداً لأنه لا يمكن التدخل الجراحي بسبب صغر حجمه حيث بلغ وزنه كيلوجرام واحد، وفي نفس الوقت فإن فرصة نموه ليكون الاطباء قادرين على إجراء العملية له تكاد تكون مستحيلة حيث أنهم لا يستطيعون اطعامه، ولو دخلت في جوفه قطرة حليب واحدة فهي كفيلة بإحداث خلل في دورته الدموية مما يؤدي لوفاته لا قدر الله، وليس لهم الا الانتظار للبحث عن خيارات من شأنها أن تزيد وزنه دون اللجوء لإطعامه! لم أعرف كيف أصف شعوري عند سماعي لذلك الخبر، فولدي في وضع صعب جداً والأطباء ليس لديهم فكرة عما يمكن عمله وكل ما يستطيعون عمله في ذلك الوقت هو الانتظار والسعي للمحافظة على حياته لفترة من الزمن لحين توصلهم لطريقة يمكنهم فيها معالجته، وعلى الطرف الآخر زوجتي والتي مازالت في مرحلة الخطر والأطباء يتابعون حالتها بشكل دقيق، لقد تمنيت وقتها حقاً لو أنني كنت نائماً وأن كل ما كان يحصل لنا عبارة عن كابوس مزعج سيتلاشى فور أن استيقظ!

لقد تصادف موعد الولادة مع إنهائي لأول مستوى لي بمعهد الجامعة وبداية إجازتي قبل فترة الكريسماس، وأما بالنسبة لأبنائي فقد كان المتبقي لهم في الدراسة مدة أسبوع قبل بدء إجازة الكريسماس إلا أنني أخطرت مدارسهم بغيابهم بسبب الولادة وما كنا نمر به من ظروف وقد كانوا متفهمين جدا لوضعنا بل وعرضوا علينا المساعدة بشتى الأشكال للتخفيف مما نعاني منه وقد رأوا أننا مغتربين وليس لنا سوى فترة بسيطة في بلدهم! ولقد كانت تلك الإجازة من أصعب الفترات التي مرت بحياتنا أنا وزوجتي بل وحتى أبنائي، فحالة الانتظار والترقب أملاً في وجود حل أو علاج دون وجود بوادر أو مبشرات بوجود ذلك الحل كانت مرهقة نفسياً، وكل يوم كان يأتينا الطبيب ليخبرنا بأنه اجتمع مع عدة أطباء من أقسام أخرى يتباحثون في وضع ابننا ويعرض علينا مختلف الآراء التي وصلته ليختم حديثه في كل مرة بأن البحث مازال مستمراً عن وسيلة لزيادة وزن وحجم الطفل ليتمكنوا من اجراء العملية، وليت الأمر توقف عن ذلك الحد ولكن بعد عدة أيام أخبرنا الطبيب بأنه بسبب الفجوة بين الشريانين والخلل في تدفق الدورة الدموية فإن نسبة تدفق الدم للرئة كبيرة مما تسبب في تجمع السوائل في الرئة وقد بدئوا بإعطاء ابني مثبطات تخفف من وتيرة تجمع السوائل وتم ادخال أنابيب لمساعدته على التنفس وسحب السوائل من رئتيه، وهو أمر يقلص من فترة الانتظار لحين أيجاد الحل، وكم كان المنظر مؤلماً وأنا أرى فلذة كبدي وهو مقيد من جميع أطرافه بشتى أنواع ابر المحاليل، والانابيب تخرج من كل فتحة من جسده بل وتم عمل شق في بطنه لإدخال أنابيب إضافية وكل ذلك يحدث له وحجمه لا يزيد عن مقدار كف يدي.

خلال تلك الفترة العصيبة بدأت معاناة جديدة من نوع آخر، فلقد تقدمت بطلبي للحصول على الموافقة للدراسة على الحساب الخاص بعد أن استلمت شهادة تخرجي من دبلوم التقنية المعمارية وكان ذلك قبل الولادة بعدة أيام، وقد أتى الرد بعد ولادة ابني بأسبوع بضرورة تقديمي طلب إعادة إلحاق لعضوية البعثة كوني كنت مبتعثا سابقاً مع زوجتي في ماليزيا، آنذاك لم أكن أعلم إن كان هذا الأمر يعد مؤشر إيجابياً أم لا، ولكنني بناء على توصياتهم في الرد على طلبي فقد تقدمت بطلب إعادة إلحاق لعضوية البعثة وقد كنت متفائلاً بأن تتم الموافقة على الطلب.

بدأت وتيرة الأمور تتسارع مع ابني، فما يلبث أن يزيد وزنه قليلا إلا ويفقده مرة أخرى، ومعدل تجمع السوائل في رئتيه بدأ في تزايد، وبالرغم أن هذه الأحداث تمت خلال الأسبوعين التاليين لولادته فقط؛ إلا أنني أحسست بأنها سنوات طوال من مشقتها، وقد أتاني الطبيب مع مطلع العام الجديد وأخبرني بأنه وفريقه الطبي قد عزموا على إجراء العملية في السادس من يناير 2014، وأردف قائلاً بأن العملية في ذاتها خطيرة ويزيد من مخاطرها صغر حجم القلب الذي يضاعف نسبة المخاطرة ما يقارب الثمانية أضعاف لعملية قلب مفتوح لطفل طبيعي وزنه أكثر من الثلاثة كيلوغرامات، ولكنه استطرد قائلاً بأن مخاطرتهم بحياة ابني ستكون أكبر إذا انتظروا وقتاً أطول وحدث انتكاس لا قدر الله في رئتيه فحينئذ ستكون فرصه في النجاة ضئيلة! تمنيت وقتها لو أن دموعي تخفف علينا ما نمر به، ولكن أقل ما كان يمكن أن يقال بأننا كنا أمام خيارين أحلاهما مر، فالقرار مصيري ويمس حياة ابننا، فماذا لو فشلت العملية؟ أنلوم أنفسنا على خوض هذه المغامرة؟ أم كيف سيكون الحال لو رفضنا إجراء العملية وانتظرنا ونحن نراه كل يوم وحالته تسوء؟ هل نستطيع أن نسامح أنفسنا لو انتكست حالته وقد فرطتنا في إجراء العملية في الوقت المناسب؟ دوامة من الأفكار والمشاعر المتضاربة قطعها صوت الطبيب وهو يستأذننا بإرسال الأوراق للبدء في الترتيبات النظامية لإجراءات العملية. لم يكن لنا وزوجتي ملجأ طوال تلك المدة إلا الساعات الأخيرة من الليل ندعو الله سبحانه وتعالى أن يفرج عنا ما نحن فيه، فما بيدنا أي حيلة وما الأطباء إلا أسباب يسخرها المولى سبحانه، وبعد عاصفة مشحونة بالعواطف والمشاعر توكلنا على الله وأقررنا بموافقتنا على إجراء العملية.

حان اليوم الموعود لإجراء العملية وكان الوقت المتوقع للعملية ما يقارب السبع ساعات، وقد تمنيت وقتها لو أن باستطاعتي منعهم من إدخاله لغرفة العمليات وأن تصبح الأمور بخير دون الحاجة لإجراء العملية، ولكن وللأسف لم يكن الأمر بهذه البساطة. أخذت الممرضة ابني وتوجهت به لغرفة العمليات وبقيت مع زوجتي وابنائي في غرفة الانتظار، وكانت مساعدة الجراح تخاطبنا كل ساعة من خلال هاتف مخصص لتخبرنا عن مجريات الأمور ومراحل تقدم العملية، حتى انقضت خمس ساعات وأبلغنا الطبيب بأن العملية قد نجحت ولله الحمد وسيتم البدء في إجراءات إقفال الجروح لمكان العملية وطلب مقابلتي في غرفة الاجتماعات المخصصة لأهالي المرضى، وعندما قابلته أخبرني بأنه قد عالج المشكلة الكبيرة في الفجوة بين الشريانين ولم يرغب في زيادة مخاطر العملية بمعالجة ضيق أحد الشرايين، وأخرج من معطفه صوراً لقلب طفلي قبل وبعد العملية وقال كلمات ما زالت ترن في أذني حتى اللحظة فلقد علق قائلاً بأن الفجوة بين الشريانين كانت كبيرة وبقاؤه حياً لحين أجريت له العملية يعد معجزة تخالف المنطق العلمي، قال ذلك وأستأذن على الفور ليتأكد من أن مساعديه في طور الانتهاء من بقية أعمال تقطيب الجرح وتعقيمه تمهيداً لنقل ابني لغرفته، وبقيت في الغرفة قليلاً وقد أحسست وقتها بأن الأرض تلف بي من عظم ما سمعت منه، اغرورقت عيناي بالدموع إلا أنها في هذه المرة كانت دموع الفرح وهبطت ساجداً لله في تلك الغرفة حامداً لفضله ثم خرجت لزوجتي واطفالي أبشرهم بنجاح العملية، وقد كانت لحظة تنفسنا فيها الصعداء وكل منا يحضن الآخر ودموع الفرح تغمر أعيننا، حينئذ رددت زوجتي تسنيم قائلة: "أكرمني الكريم بسلامة عبدالكريم".

* جامعة الاباما - توسكالوسا

عنوان المدونة:

http://saudiintuscaloosa.wordpress.com 

(يتبع الأسبوع القادم بمشيئة الله - "وزارة التعليم العالي ومعركة ذات الثماني")