بقلم: عبدالله بن مداري الحربي* 

إنّ دراسة السلوك التنظيمي والإبحار في جوانبه المتعددة هو نوع من الدخول في تجربة أو تجارب مثيرة .. إنّه محاولة لتلمس معاناة الأفراد وطموحاتهم وهواجسهم نحو بيئة العمل بكل ما تتضمنه هذه البيئة من صراعات ومؤثرات داخلية وخارجية .. لذلك فإنّه لفهم وتحليل وتفسير سلوكيات الأفراد واتجاهاتهم وقيمهم داخل المنظمة – أي منظمة- ومن ثم إمكانية التنبؤ بها .. لابد من التعايش مع هؤلاء الأفراد والخوض في تجاربهم اليومية ضمن سياقها التنظيمي.

 إنّ تجارب وآراء كل فرد – الحديث هنا في السياق التنظيمي- تختلف بلا شك عن تجارب الآخرين وهي أيضاّ تتصف بالتغير المستمر وذلك تبعاً لتزايد الخبرة وتنوع الوظائف التي يمارسها الفرد ونتيجة لتأثير وتداخل العلاقات مع زملاء العمل .. والأبعد من ذلك أنّها تتأثر بالحراك والتفاعلات الإنسانية داخل المنظمة وبمكوناتها الثقافية المتعددة .. من هنا يبدو أنّ كل منظمة تحوي بداخلها عوالم ثرية وتجارب غنية ورؤى متباينة .. ومعايشة هذا التنوع – من أجل التأمل والبحث والتقصي للتجارب الإنسانية وتفاعلاتها- يمهد لرؤية واقعية لهذا الحراك المتجدد.

فالباحث في مجال الثقة التنظيميةOrganisational Trust  مثلاً – وهو أحد المجالات الحيوية الحديثة تحت مظلة السلوك التنظيمي- يجدُ الثراء المعرفي الذي يركّزُ على مدى اختلال العلاقة بين القيادات والموظفين ودوره في تغيير تصوراتهم وقيمهم وسلوكياتهم تجاه بعضهم البعض .. وهذا ينعكس بلا ريب على أدائهم الفردي ومن ثم الأداء الكلي للمنظمة .. لقد أكدت العديد من الدراسات الحديثة أن فقدان الثقة التنظيمية أو انخفاضها ينمي الاتجاهات السلبية نحو الزملاء ونحو بيئة العمل بشكل عام .. وفي المقابل زيادتها يدعمُ شعور الأفراد بانتمائهم للمنظمة ويوثّقُ ولائهم لأهدافها. الأمر الأكثر دلالة هنا هو أنّ الاهتمام بخلق وتنمية الثقة داخل المنظمات بلا شك يعد عاملاً رئيساً في تطور المنظمة وداعماً لاستقرار العلاقات التنظيمية داخلها.

وهنالك حقلٌ آخر في مجال السلوك التنظيمي – لا يقل أهميةً عن الثقة التنظيمية- بدأ يتنامى بشكل ملحوظ نتيجة الحاجة الملحة لتفسير تغير اتجاهات ومواقف الأفراد – سلباً وايجاباً- نحو بيئة العمل التي هي في أساسها حصيلة الضغوط المتعددة التي يشعر بها الموظفون في هذه البيئة الحيوية .. هذا المجال الذي لفت انتباه العديد من الباحثين والممارسين هو التغيير التنظيمي Organisational Change الذي يركّزُ عادةً على دراسة التفاعلات الإنسانية وردود أفعال الأفراد تجاه المتغيرات الخارجية من جانب – السياسية الاجتماعية الاقتصادية التكنولوجية على سبيل المثال-  والمتغيرات الداخلية كالسياسات المالية للمنظمة ومعايير العمل وإجراءاته .. وعلاقات العمل ومراكز القوى من جانب آخر .. وهذا المجال العلمي يهدف في مجمله إلى تفعيل إمكانيات المنظمات وإيجاد بيئة قادرة على التكيف مع المتغيرات المحيطة بها.

ونموذجٌ ثالث يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمفاهيم ونظريات التغيير التنظيمي ويعدُ أكثر حقول السلوك التنظيمي حداثةً حيث لقى اهتماماً من الكثير من الباحثين المعاصرين المهتمين بقضايا وإشكاليات علاقات العمل. هذا الحقل الحيوي يهتم بالمشاعر والعواطف والانفعالات في إطار العمل Workplace Emotions وهو يمثلُ امتداداً لأفكار وأطروحات مدرسة العلاقات الإنسانية ومدرسة العلوم السلوكية معاً.

تعتمد نظريات هذا المجال البحثي على فكرة مؤداها أن بيئة العمل مليئة بالضغوط والتفاعلات التي تحرك وتؤثر في انفعالات الأفراد سواءً سلباً أو ايجاباً .. وعادة ما يصف الباحثون هذه الانفعالات – أشهر أمثلتها الرضا أو السخط، الفرح أو الحزن، الخوف أو الاطمئنان- بأنها غير واعية لأنها تصدر كردة فعل مباشرة للمؤثرات الخارجية .. وردود الفعل هذه تكّون مواقف الأفراد تجاه البيئة المحيطة بهم، وهذا بدوره يدفعهم لممارسة سلوكيات معينة. هذه السلوكيات -بشكل عام- تعدُ أكثر رسوخاً لدى الأفراد وبالتالي فهي أكثر صعوبةً من ناحية تغييرها أو استبدالها مقارنة بالانفعالات والمواقف على سبيل المثال.

ومما يدعم هذه النظرية ما توصل إليه عددٌ من الدراسات من أنّ الصفات العاطفية والانفعالية السلبية للأفراد تحدد درجة ميولهم للتغيب عن العمل ومدى رغبتهم في التدوير الوظيفي، وهي في مجملها عامل رئيس في انخفاض درجة الرضا الوظيفي أيضاً.

بعبارة مختصرة، العواطف والانفعالات تؤدي إلى مواقف محددة تجاه البيئة المحيطة وهذه المواقف تظهر على شكل سلوكيات وممارسات متنوعة .. أو بعبارة معاكسة لفهم سلوكيات الأفراد فإنّه لابد من تحديد مواقفهم الشخصية تجاه المؤثرات المحيطة بهم وقبل ذلك لا بد من إدراك مشاعرهم وانفعالاتهم تجاهها.

إنّ القاعدة الرئيسة التي ينطلق منها حقل السلوك التنظيمي هي أن سلوك الأفراد وإدراكهم واتجاهاتهم هي في حقيقتها استجابات وردود فعل للمؤثرات الخارجية- سواءً كانت هذه المؤثرات خارج المنظمة أو داخلها- مما يعني أن المؤثرات والمحفزات المحيطة بالأفراد تقود إلى سلوكيات واستجابات معينة وذلك يتفق تماماً مع ما توصل إليها علماء النفس وخبراء الاجتماع.

وهذا – من جانب آخر - يفسّرُ تزايد الإحباط والتوتر النفسي لدى الموظفين نتيجة ضغوط العمل العالية أو الأعباء الوظيفية المتزايدة دون تقديم حوافز أو مكافآت مجزية تخفف من هذه العوامل .. أضف إليه الدور والأثر الملحوظ لبيئة العمل المادية كالإضاءة .. وضيق المكان أو سعته ، وتناسق أو عدم تناسق الألوان في محيط العمل على نفسية وأداء الموظفين سواءً سلباً أو ايجاباً.

ومما يؤكد تأثير العوامل البيئية في أداء العاملين – يعبر عنها عادة في أدبيات هذا الحقل بالمناخ التنظيمي- تزايد اهتمام الباحثين والمختصين بالسلوك التنظيمي خلال العقود الأخيرة بمفاهيم الانتماء والولاء التنظيمي والانغماس الوظيفي كظواهر ومؤشرات لدرجة تعلّق وتفضيل جماعة العمل وبيئته مقارنة بأي بيئة اجتماعية أخرى. وفي الجانب المقابل برزت العديد من الظواهر الأخرى فعلى المستوى الفردي هنالك الاحتراق الوظيفي والعزلة التنظيمية وعلى المستوى الجماعي هنالك التنافس والصراع التنظيمي. وهنالك أيضاً مفاهيم ونظريات متنوعة ومتعددة تنضوي تحت مجال السلوك التنظيمي الذي يمثّل عصب الدراسات المعاصرة في إدارة الموارد البشرية.

إنّ التحديات التي تواجهها المنظمات الحديثة لا تقتصر على مواجهة المنافسين وخلق استراتيجيات مرنة وتبني سياسات متنوعة فحسب .. بل هنالك أبعاداً وتحدياتٍ تواجهها هذه المنظمات تكاد تكون أكثر أهميةً وأعظم تأثيراً في تحقيق أهدافها واستراتيجياتها .. هذه التحديات تتمثل بكل وضوح في فهم وإدراك المتطلبات والاحتياجات المستمرة للعنصر البشري الذي هو المحرك الرئيس والفاعل لكل الموارد والإمكانيات.

ولتوضيح ذلك فإنّه لا بد من العودة لمثال قريب وهو الأزمة المالية العالمية (2008م) التي عصفت بالكثير من المنظمات والشركات وساهمت بلا شك في بروز العديد من الظواهر النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية .. وكيف أنّه امتد أثرها في ظهور عدد من الأزمات والقضايا التنظيمية التي زادت هي الأخرى من ارهاق هذه المنظمات والتسريع في إنهيار بعضها .. لقد سارعت العديد من الشركات إلى تفادي المزيد من الخسائر باتباع سياسة تسريح الموظفين آنذاك وهذا بدوره ساهم في تنامي الشعور بالقلق والتوتر للموظفين نتيجة الشعور بعدم الأمن الوظيفي واحتمالية الاستغناء عنهم على غرار زملائهم، ومن جانب آخر أدت هذه السياسة الى زيادة ضغوط العمل لتحمل الموظفين الأعباء الوظيفية وتبعات الاستغناء عن زملائهم .. أضف إلى ذلك أنّه باتت حالات الصراع ومظاهر العنف والاعتداء الجسدي بين الموظفين في بعض المنظمات تنتشر كردة فعل واستجابة لهذه البيئة المتوترة والضاغطة.

وعلى صعيد الإدارة العليا بالمنظمات المعاصرة أصبح المدراء التنفيذيون والقيادات فيها – المنظمات الربحية بشكل خاص- يشعرون بتداعيات وآثار هذه الأزمة حيث شملتهم سياسات تقليص الخسائر من خلال تخفيض مخصصاتهم ومكافآتهم والمنافع المادية التي يتقاضونها.

لذلك .. وفي ظل هذه المتغيرات والأزمات المتعددة التي تحيط بالمنظمات فإنّ الحاجة لعلوم السلوك التنظيمي ومجالاته البحثية تعد أولوية داعمة للبحث العلمي ووسيلة ضرورية لتطوير مفاهيمه ونظرياته من جانب، وتمثل محور العملية التنظيمية في كافة المنظمات وركيزة لا غنى عنها من جانب آخر .. وهذا يدعونا للقول بإنّ علوم السلوك التنظيمي وتطبيقاته المتعددة تطرح رؤى وحلولاً للقضايا والإشكاليات المتباينة التي أصبحت سمة بارزة لبيئة المنظمات المعاصرة.

 

* عبدالله بن مداري الحربي

مبتعث لدراسة درجة الدكتوراة بجامعة Hull ببريطانيا

محاضر بقسم إدارة الأعمال/ جامعة الطائف

 

 

 

تحديثات فيسبوك وتويتر