اعتاد عمر أن يتفادى طلقات الرصاص التي توجه إليه من نقطة المراقبة أثناء عبوره الجدار الفاصل بينه وبين حبيبته نادية كعاشق .. أو بينه أو بين وطنه وأصدقائه على الأرض الفلسطينية المحتلة كمقاوم وشاب له أحلامه وطموحاته الخاصة .. وكان الحبيبان عمر وناديا قد أخفيا حبهما وعلاقتهما عن الناس .. وكانا يلتقيان في السر حرصا على إستمرار هذه العلاقة والحفاظ عليها من غدر الزمان وقسوة التقاليد .. يعمل عمر الشاب المتحمس خبازا يواجه محنة العوز والفاقة تحت الإحتلال بالعمل الشريف وكانت بين يديه لقمة الخبز التي يقدمها للناس .. لكنه في نفس الوقت كان يقضي أوقات فراغه مع صديقي طفولته طارق وأمجد في التدريب على أعمال المقاومة ضد الإسرائيليين من أجل الحرية وإستقلال الوطن.. لم يكن عمر وصديقيه ينتمون لأي فصيل من الفصائل .. كانت أعمالهم تطوعية يدفعهم إليها مجرد حماسهم الوطني وشعورهم بالقمع.

 هكذا نشأ الحب عفويا حنونا مجاهدا بين أطرافه وألوانه المختلفة .. وكانت الآلة الإسرائيلية وقوات الإحتلال الإسرائيلي لا يفرقون أبدا بين حب المرأة وحب الوطن .. أو حتى بين إجتياز الجدار العازل في الحالتين .. و كان لابد لعمر لكي يلتقي بهما أن يمارس عادته في القفز من فوق الجدار .. وكان عليه لكي يفعل ذلك أن يتعلم ويتدرب على كيفية إستخدام يديه وقدميه في التسلق بالحبال عبر هذا الجدار الأملس العالي بغية الإنتقال للجانب الآخر .. مرات ومرات يظهر عمر  وفي يده الوثاق أو الحبل لكي يتحدى به الجدار الذي يقف حائلا بينه وبين حبه للفتاة أو الوطن .. كثيرا ما كان يفعل ذلك كمحب وعاشق وكثيرا أيضا مافعلها من أجل الوطن ... أصبح عمر بهذه الصورة ليس أكثر من رجل ثوري يضع روحه بين كفيه متحديا الرصاص للوصول إلي حيث يهفو القلب مرتجاه .. ولم يفلح الجدار أبدا أن يكون عازلا بين حبيبين .

كانت نادية مصدر السعادة الحقيقية لعمر والطرف الثاني في معادلة الحب .. والجزء الخاص من العشق الذي إستوطن فيه .. وكان الوطن بمثابة العش الكامل الذي إستوطنهما فيه ... وحينما يلتقيان خلسة ليسرقان بعضا من لحظات سعادتهما يظنان بأنهما في مأمن من الناس وأنه لا أحد يبحث عنهما .. فيغتنمان الفرصة ليعبر كلاهما عن حبه وغرامه بالآخر ... وفي لحظات أثيرية لا تخلو من المداعبة وخفة الظل يفضيان بأحلامهما وأمنياتهما عن المستقبل القادم .. يتفقان .. يختلفان ليس مهما .. المهم أن لا يطول هذا الخلاف بينهما .. فيمضيان في الحديث عن المستقبل وخططه وبدائل الزواج التي وضعها كل منهما للآخر .. ترى كيف يتحقق هذا الحلم ؟! .

 لم تكن أحلامهما باهظة التكاليف .. فكل حلمهما ينحصر في شقة من غرفة نوم واحدة دون أن يتجرأ كلاهما على البوح بما يثير العواطف .. حيث غابت القدرة على التعبير وسط الخجل الجم الجاسم على صدريهما .. لم يكن بإمكان أحدهما نطق كلمة سرير دون أن يحمر وجهه من شدة الخجل .. وكانت التقاليد آثمة قاسية تحول دائما بينهما .. وهما رغم العواطف المستعرة والأحاسيس الكبيرة أصغر مقدرة من مواجهة مجتمع لا يتيح فكرة البوح ولا يعترف به .. لذلك كان  عليهما أن يحتفظا سرا بهذه العلاقة التي لا تشوبها شائبة .

كان الحاجز كبيرا جدا يتجاوز جدار الفصل والمغامرات والخطط التي تحاك لتجاوزه أو القفز من فوق أسواره .. كثيرا ما إنتابهما إحساس بالرغبة في الهرب بعد الزواج .. ولكن إلى اين ؟ .. وكانت أقصى أمانيهما لا تتجاوز هذه المساحات التي وطأت أقدامهم عليها .. لذلك لم تكن هذه الأحلام إلا سرابا ... وماذا يمكن أن تكون غير ذلك إذا كانت الأحلام غاية لا يمكن الوصول إليها ... كل الأمال والطموحات لم تكن تتجاوز هذا الجدار العازل الذي فرضه العدو ليحول بين العلاقات المتأصلة بين الجانبين .. لم يكن الجدار مجرد هيكل أو بناء في المشهد الفلسطيني .. بل كان رمزا لنمو هذا العجز وهذا العزل في  داخل القلوب والعقول ومن هنا كانت المأساة.

هكذا كانت علاقة عمر بحبيبته نادية عبر الجدار .. أما عن علاقته بالأصدقاء فكانت بها الكثير من الحميمية بحكم أنهم اصدقاء طفولة وجوار .. كان لعمر صديقان حميمان من أيام الطفولة نشآ وتربيا معه ولم يكن يفصل بينهما وبينه جدار .. كانوا مثلهم مثل كل الشباب يتضاحكون .. يتعابثون .. يتبادلون الصخب والنكات لكي  ينفثوا عما يصيبهم من غيظ وكبت وضيق حال أو كما يقال : فشة خلق .. أحدهما أمجد صديق خفيف الظل ممتع بما لديه من مواهب وقدرة على تقليد الآخرين .. بطله المفضل مارلون براندو .. وكان تقليده الدقيق والبارع له يثير الإعجاب والضحك  .. أما الثاني فهو طارق وهو صديق متشدد ومقاوم شرس ذو شخصية قيادية جادة وهو في نفس الوقت الشقيق الأكبر لنادية حبيبته ..  يحدث بين الحين والحين وببطء شديد أن يلتقي الأصدقاء لقتل الفراغ والملل والتنفيث عن ما يواجهونه من عناء بسبب الإحتلال .. ولكن أحداث الحرب والإحتلال وما يخيم عليها من بؤس وحزن وفقد وفاقة يجعل من الخسارة والضحايا والشهداء مادة سخية لزرع المقاومة في النفوس ... ولم يكن أمام هؤلاء الثلاثة إلا طريق المقاومة.

لم يأت ذلك من فراغ أو عبث ولكن من واقع مرير يجد فيه الإنسان نفسه بين خيارات ليست خيارات فهو كإنسان  له رغباته وطموحاته المتاحة لكل إنسان .. فهو يأمل أن يكون له منزل .. وأصدقاء  .. وزوجة وأسرة .. وعليه أن يوازن بين كل هذا وبين حبه وإخلاصه لقضية الوطن وتحرير فلسطين ..  ويبقى الإنسان متهما في كل الأحوال إما بالخيانة وإما بالتقصير ..

فجأة  تنقلب الأمور ويبدأ الخط الدرامي تصاعده فيشعر الإنسان بالعجز والإهانات اليومية والقيود التي تفرض عليه في الحركة والسير والتوقف العشوائي والتفتيش .. لم يعد أمامه خيار آخر .. فقد تولدت لديه القناعة والرغبة في القيام بشيء ما للمشاركة في هذه المعركة .. يتأهب عمر وصديقاه للقيام بتنفيذ خطتهم التي تقوم على مهاجمة  حامية إسرائيلية مجاورة .. وتحدث المواجهة العنيفة بينهم وبين جنود الاحتلال .. فجأة يطلق أمجد وابلا من طلقاته العشوائية فتسفر عن مقتل جندي إسرائيلي .. وتبدأ المطاردة .

عمر هو الشخصية المحورية التي يدور من حولها الصراع وموضوع القصة ... كان هو هدف الجنود وصيدهم الثمين .. ولم يستغرق الأمر أكثر من يوم واحد حتى تم القبض عليه .. لتبدأ رحلة البطل الحقيقية .

أقتيد عمر عاريا  إلى غرفة الاستجواب الحالكة السواد وهناك امطروه بالأسئلة والإتهامات وساموه القمع والتعذيب .. وبدأوا معه لعبة القط والفأر ... لم تكن الشرطة العسكرية تريد منه إعترافا بحقيقة ما حدث بقدر ما تريد تجنيده لصالحهم .. كان كل همها في هذه المرحلة أن تنتزع الثقة منه في كل من حوله .. تلك الثقة التي تولدت فيه عبر سنين حياته مع أصدقاء حميمين شاركوه الحياة منذ طفولته .. ومع فتاة أحبها الحب الذي لا يضارعها فيه حب إلا الوطن .. كانت ناديا هي حلمه وطموحه الأول والأخير .. والآن هم يريدون منه أن يستبدل الثقة ببذور الشك والخيانة .. فيعرضون عليه من خلال  رامي أحد العملاء الافراج عنه في مقابل تسليمهم طارق شقيق ناديا ..  

كل الضغوط وكل الوسائل جائزة أثناء السجن .. خاصة حينما يزرع بين السجناء عملاء يتقصون الحقيقة بطريقة أو بأخرى وكان رامي من بين هؤلاء العملاء .. جلس رامي ذات يوم يتقصى كسجين تلك المحاورة التي تمت بينه وبين عمر في كافتيريا السجن .. وكان عمر قد صرح بكلمات مصيرية حاسمة بأنه لن يعترف أبدا .. وهو تصريح أقرب إلى الإعتراف وإعتراف بلغة نفي النفي إثبات .. وفي أحد المناسبات جلس أمامه عميل آخر ليستطلع جهة إنتمائه وسأله : أنا من حماس .. وأنت من أي مجموعة ؟ .

خلاصة القول ... عرض على عمر أن يكون جاسوسا خائنا لوطنه وأصدقائه ومحبيه ... ما أفظع هذا الخاطر الذي يتردد  وما أقساه ... ترى هل يستطيع البطل أن يجتاز هذا العرض متحملا كل الصعاب أم أن عليه أن يرضخ ويقبل فيضمن الحرية والحياة .. عاش عمر لفترة حائرا ممزَّقاً مذعورا يتقلب بين أحد أمرين لا يمكن إحتمالهما أبدا .. الحرية مع الخيانة وضياع الكرامة أم السجن والتعذيب ؟!!! ... كان موضوع القصة هو الخيانة فماذا لو خان عمر ؟

اصبح الموقف غاية في الصعوبة بل أكثر خطورة ... ليس فقط بالنسبة لعمر بل أيضا بالنسبة لناديا الحبيبة الغالية .. فقد لاحقتها سمعته المشوهه وإرادته المزيفة وبدأت تشعر بالخوف على حياتها منه .. تتساءل ناديا عما إذا كان صحيحا ما يجري من همس في حيها .. ماذا لو تعاون عمر مع الإسرائيليين .. أيكون بعد ذلك الرجل الذي أحبته ووثقت فيه ؟ .. وهل تضحي بهذا الحب الذي بنت عليه كل أمانيها ؟ .. ليس من السهل أن نصنع حبا كهذا .. ولكن من السهل أيضا في أسوأ الأحوال أن نتبرأ منه .. فكون عمر محاربا فهذا يتطلب منه الصلابة درعا لعواطفه .. ولكنه لم يكن صعبا على أية حال  .. كان متفتحا سريع التأثر طيب القلب سهل المعاشرة وكلها صفات إنسانية لا تجيز له التحول ولا تعطيه ذلك الخيار .. لقد اجبر عمر على التحول قسرا وأجبر على أن يكون خائنا .. ومع الخيانة تواجه ناديا معركة تحول ولاءاتها .

يظهر الفيلم مدى العنف والقهر الذي يتعرض له الشباب الفلسطيني في مجتمع محاصر  ليس فقط بالدبابة والبندقية والجدار العازل بل أيضا بما يحدثه المحتل من صدع في النفوس البشرية ومصائرها وخاصة بالنسبة للشخصيات التي تمثلها في هذا الفيلم .. هذا الصدع لا يعكس إلا لونين في الحقيقة فإما الأسود وإما الأبيض إما أن تكون مناضلا ومقاوما سجينا وإما أن تكون خائنا حرا عميلا ...

الفيلم من إخراج وتأليف وسيناريو هاني أبو أسعد ومدته 98 دقيقة ... ويتكون طاقم فريق العمل و الممثلين من آدم بكري في دور عمر ووليد زعيتر في دور العميل رامي .. وليم لوباني في دور نادية .. وسامر بيشارات في دور أمجد .. وعياد حوراني في دور طارق  .. طارق كوبتي .. أنا ماريا حوا .. زياد جارجورة .. جهاد أبو عسل .. يا إيل ليرر.. عصام أبو عابد .. وفاء عون .. روحي عيادي ... رمزي مقديسي .. يوسف سليمان

يفتتح  المخرج هاني ابو اسعد الفيلم بالجدار ثم يظهر عمر متعلقا في حبل يحاول به الإنتقال من جانب إلى الجانب الآخر عبر جدار العزل الإسرائيلي .. وتتكرر لقطات الجدار مرات كثيرة طوال مدة العرض  وهي موظفة لخدمة الحدث وتداعياته فمرة يظهر الجدار وعمر يتدرب على إجتيازه كرجل مقاوم .. ومرة يظهر الجدار لإجتذاب الرمز والإحساس بما يعنيه هذا الجدار وبما يحققه من فصل بين الناس والمجتمعات خاصة حينما يشعر الإنسان بأن هذا الجدار لا يفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين فحسب بل هو أيضا يفصل بين كل الناس دون تفريق .. فالحائط يصنع من الأشياء الحميمة التي لدينا  كالحب  والولاء  والإخلاص والتواصل أمورا مستحيلة لا يمكن تحقيقها.

يعد فيلم عمر أول فيلم فلسطيني يتم ترشيحه هذا العام لجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي منذ فيلم الجنة الآن Paradise Now  الذي عرض عام 2005 .. وكان هذا الفيلم قد وصل لقائمة الأفلام التسع المرشحة للفوز بالجائزة من بين ستة وسبعين فيلما وقد فاز بالجائزة الفيلم الإيطالي الجمال الرائع ...

وفضلا عن ترشيح عمر لجائزة الأوسكار فقد فاز هذا الفيلم بجائزة المهر الذهبي لأفضل فيلم عربي في الدورة العاشرة لمهرجان دبي السينمائي .. كما حصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مسابقة نظرة ما في الدورة السادسة والستين  لمهرجان كان السينمائي.

ويعد هذا الفيلم من أفلام الإثارة و الرومانسية التي تطرح فكرة الحب كمعادل موضوعي بين المرأة والوطن وعن إنهيار قيم الأخلاق وسقوط الشرف في دائرة الخيانة المفروضة على الواقع بقوة القمع والسلاح .. ويحمل الفيلم رسالة موجهة وصرخة إستغاثة للمجتمع الدولي عما يعانيه الفلسطينيون في الأراضي المحتلة وعما يواجهونه أمام الإهمال والتقصير الدولي المتعمد .

 

 

 

تحديثات فيسبوك وتويتر