بقلم : حاتم الــزهــرانــي 

قبل أن تقرأ: 
منذ أن بدأت الدراسة في ييل و القلم في يدي لأدون التجربة التي تلقي الضوء على غنى و دينامية الحياة الجامعية في واحد من أعرق مصانع العقول في العالم .. وترمي إلى الكشف عن الفلسفة التربوية الأمريكية بشكلٍ عام .. و عن الرؤية الأكاديمية الأمريكية للثقافة العربية بشكل خاص.

ومن هذه التجربة أحاول أن أستنبط الذاتي و الموضوعي ، و تكوين نص يقدم المعلومة في قالب أسلوبي أدبي يتجاوب كلياً مع أسلوبيات التدوين المصغر كما يمثلها التويتر تحديداً .. من هنا .. أحاول أن اصنع من مقالتي أسلوبا جديدا يرتبط بالتغريدات وبطريقة كتابتها فإعتمدت على فكرة مركزية واحدة تتوزع على عدة محاور فرعية.


التغريدة الأولى .. مقدمة وتعريف


شاعر سعودي في ليلة الشعر العالمي بأمريكا

بقلم : محمد سعيد الزهراني (الطائف)

«تركت أرضي ولم أخرج من الوطن» مطلع قصيدة للشاعر السعودي حاتم الزهراني، ألقاها في جامعة ييلYale University، في ليلة الشعر العالمي التي نظمتها الجامعة مؤخرا. الزهراني المبتعث حاليا من جامعة أم القرى لنيل شهادة الدكتوراه، قال عن أجواء تفاعل الجمهور: «كنا نستمع إلى ملامح الشاعر وهو يلقي النص بلغته، ثم نكتشف ملامح النص نفسه حينما يقرأ الترجمة الإنجليزية». وأضاف «كان لقاء من النوع الذي يحفر في الذاكرة» .... يشار إلى أن جامعة ييل تعد إحدى أعرق جامعات العالم في النقد الأدبي وباهتمامها بالإنسانيات والعلوم الاجتماعية، وتعتبر المنافس التقليدي لجامعة هارفارد، وتحتضن أقدم برنامج دكتوراه في الدراسات العربية والإسلامية على مستوى الجامعات الأمريكية، وقد دعت إلى هذه الفعالية للاستماع إلى شعر بلغات متعددة، تأكيدا على وحدة الفعل الشعري وجماليات التنوع اللغوي.

 

التغريدة الثانية .. التغريدة الجنوبية من يـيل الأمريكية

بقلم : حاتم الزهراني

طالب القرب من بنات الأفكار !

محتضنةً أول كلية دراسات عليا في التاريخ الأكاديمي الأمريكي ، تشمخ جامعة ييل ، المتأسسة مع انعطافة القرن الثامن عشر الميلادي ، قبلةً للبحّـاثة و مزاراً لسياح المعرفة .
حرمها الجامعي الباذخ في قلب مدينة نيو هايڤن في الشمال الشرقي لــ”جمهورية النظرية” يردد صدى مقولة مؤرخها جورج پيرسون : “ييل هي تراث و تجمّع للباحثين و مجتمع من الأصدقاء في وقت واحد” .
الجامعة , بهذا , هي منجمٌ للذاكرة الجمعية , يحفر فيه مجموعة من أصدقاء نادي المعرفة تحت مصابيح أسئلتهم المعاصرة لاستخلاص عروق ذهب التجربة البشرية التي تخرج التراث من صقيع المعاد المكرور إلى نار المعرفة الولود .
تصورٌ كهذا لا يبدو غريباً من جورج پيرسون ؛ فهو سليل بيت ييليٍّ عريق ( نسبة إلى ييل ) يتزعمه جده آبراهام پيرسون ، أول رئيس للجامعة و أحد آبائها المؤسسين .
في عام ١٨٤١ ، و اتساقاً مع روح مؤسسيها الوثابة إلى الأصالة و السبق ، دشنت ييل برنامج الدكتوراة في الدراسات العربية و الإسلامية ليكون الأول من نوعه في أمريكا الشمالية . و بدأ البرنامج الوليد مسيرته مقتفياً آثار الفيلولوجيا الأوروبية .

مئة و اثنان و سبعون عاماً أو يزيدون من دراسة ييل للتراث العربي كانت كفيلة بإيقاد شمعة الفضول : تُرى كيف يبدو هذا التراث في رؤية ييل و في المنظار الأكاديمي الأمريكي ؟
و السؤال يزداد تركيزاً بسبب ريادة ييل في منهجيات قراءة النص المعاصرة ؛ فمنها انبعث النقد الجديد , و في قاعات قسم الأدب المقارن فيها جمعت التفكيكية بول دي مان بديريدا , و في شارع وول ستريت الفاصل بين مكتباتها الرئيسية ما زال هارولد بلوم يوقع لزائريه نسخاً من بيانه الختامي ( تشريح التأثر ) تارةً , و من بيانه الافتتاحي ( قلق التأثر ) تارة أخرى .
حينها ، انطلقتْ رحلةُ مقاربة السؤال عبر بعثة دراسية لمواصلة الدراسات العليا في الأدب العربي و النظرية الأدبية .
في خريف 2012 بدأ الفصل الدراسي الأول بفعاليات الأورينتيشن ( التوجيه الجامعي ) .

ثلاثة أسابيع مكتنزة بالحفلات و الجولات التعريفية للطلاب و مرافقيهم ، ثرية بما لا تغني فيه الصفة عن المعرفة ، و ينتظمها خيط رفيع تشده من طرفيه بساطة البشر و دقة النظام .
في حديقة آيتش جي إس Hall of Graduate Studies) HGS ) تدشن الفعاليات بإفطار جماعي لطلاب الدراسات العليا و مرافقيهم في ضيافة عميد كلية الدراسات العليا .
بعد ذلك يصطف الطلاب الجدد عند مدخل الكلية ليبدأوا موكبهم الرسمي في الحرم الجامعي وصولاً إلى قاعة سپراوق Sprague الشهيرة في كلية الموسيقى .
يأخذ الطلاب و مرافقوهم مقاعدهم للاستماع إلى ترحيب مدير الجامعة و الطاقم الإداري ، قبل أن يصعد مجموعة طلاب كلية الموسيقى إلى المنصة لأداء ثلاث أغانٍ على نمط أكابيلاّ جللت الحضور الأكاديمي بعبق من روحيات التاريخ . و تصل الرسالة : هذه جامعة خضراء : صديقة لبيئة العلم و بيئة الفن معاً ، فاعلمنْ !

يتلقى الحضور , من ثمَّ , دعوة مدير الجامعة لاستضافتهم في بيته الخاص . يقف عند باب الدخول مصافحاً الجميع فرداً فرداً , و مكرراً امتنانه الشديد لاختيارهم ييل وجهةً لمواصلة دراساتهم .
يلتقط الطلاب الصور التذكارية مع المدير , ثم يتوجهون إلى حديقة المنزل يقرعون كؤوس الكلام مطوَّقين بالخـَــضار الأنيق . يسجل كل طالب اسمه في “السجل التاريخي لطلاب الدراسات العليا في جامعة ييل” مذيلاً بتوقيع و كلمةٍ مختصرة فضّل كثيرٌ من الزملاء تسجيلها بلغاتهم الأصلية .

يودع الطلاب منزل المدير تدور أحاديثهم حول دفء استقبال الرجل و طاقمه الإداري . أسماء ييل الكبرى بدت في بساطتها البشرية حميميةً كما ينبغي لمن يعي دوره في تذويب أثقال القلق التي يراكمها في نفوس القادمين الجدد الرأسُمال الرمزي لهذه المؤسسة العريقة . في هذه اللحظة , بات اليـَـيــْـلــِــيــز الجدد , كما تسميهم اللغة المحلية , مؤهلين للبدء في الركض المعرفي الطويل .
أهداف الأورينتيشن كانت تتحدث عن نفسها : الجامعة هي كوخك الفردي الحليم في المكتبة , و ساحة لقياك برفاقك الدوليين في الحرم الجامعي . نحن نحتضن مرافقيك بالبرامج الماتعة ، فقط تفرغ أنت لــ”شغلك” و أرنا من نفسك خيراً !

هل أجهدت “عضلات” مخك بما فيه الكافية ؟ لا عليك : تعال إلى صالة پايني ويتني Payne Whitney Gymnasium ، ثاني أكبر صالة رياضية في العالم ، و سم بالله و ابدأ بالإجهاد الممتع لعضلات جسمك!
نظم المحاضرة التي تريد ، استدع من تشاء ، قدم أنت بنفسك محاضرتك و ادع من تشاء . لا حاجة إلى إرسال سيرتك الذاتية إلى “عمدة” المدينة قبلها بأشهر ، فهو منشغل عن مطاردة ظلال كلماتك بالسعي إليك !
اختر من المجتمعات الطلابية ما يناسب مواهبك و ميولك ، و اخرج من صومعة النظريات إلى العالم الواقعي حيث تشارك في التأثير في أحداث العالم . ابق على اتصال : نعم ، ابق على اتصال بساعة العالم و ساعة العلم معاً !
الجامعة هي منصة طموحاتك القيادية و مختبر تصوراتك العلمية . هي مصنع أفكار أقرانك الذين يشاركونك هواء اليوم , و خدر بنات أفكار العالمين الذين سرقوا علامات الاستفهام من كلام الناس في يومٍ ما ثم كتبوا إجاباتهم المقترحة و مضوا !


_ و أنت , ما أنت ؟
_ أنا طالب . طالب القرب من بنات الأفكار !

حاتم الزهراني:
كاتب هذه السطور شاعر ، و محاضر في الأدب العربي و النظرية الأدبية في جامعة أم القرى ، و حالياً يواصل دراساته العليا في جامعة ييل بالولايات المتحدة الأمريكية بالإضافة إلى عمله باحثًا مساعدًا في الجامعة نفسها .
له من المنشورات بالعربية ديوان شعري و كتاب في النقد الأدبي صدرا معاً عن المؤسسة العربية للدراسات و النشر في صيف ٢٠١٠ ، و إصداره الأول بالإنجليزية سيصدر بنهاية العام الحالي . و في أبريل القادم سوف تقيم له جامعة ييل أمسية شعرية خاصة ، و قد سبق له المشاركة في أمسية يوم الشعر العالمي في جامعة ييل قبل عامين مع شعراء من لغات متنوعة .

 

 

 

تحديثات فيسبوك وتويتر