بقلم : سلافه محمد رشاد  طرابزوني 

حثنا ديننا الحنيف علی إعمار الأرض بالعلم .. وهي صفة شرف بها الإنسان .. حيث جاءت كلمة إقرأ في مقدمة سورة العلق كدعوة صريحة للقراءة والتعلم والذي من خلاله تبدأ الحواس الخمسة في تلمس المعرفة وتأمل عظمة الله سبحانه وتعالى في خلقه وكونه ومعجزاته .. هذه الأحرف الثلاثة تدعونا ايضا لأن نسعی دائما إلى الإستزادة بالإطلاع والمعرفه التي تقودنا الی المزيد من الإكتشافات و الإجتهادات التي تصل بنا بتوفيقه ومشيئته لخدمة البشرية.

 ولطالما كان تاريخ المسلمين ببطولاته وفتوحاته وإنجازاته وإكتشافاته العظيمة يحيي في داخلي هذا الدافع القوي  تجاه العلم آملة من الله عز وجل ان يقدرني ان أسهم ولو باليسير لإستعادة هذا المجد وإنتصاراته .. ولاسيما في تلك الإنجازات العلمية التي أبتعثنا لتحقيقها والاستزادة منها في إطار مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله بفتح باب الإبتعاث لدول العالم .. لقد وجدتها خطوة مليئة بالأمل في استعادة هذا المجد .. وبكل صدق وامتنان انتهز هذه الفرصة لشكر كل من قام باخلاص ونيه حسنه بتسخير وقته وجهده علی تيسير هذا المشروع الجبار و الفعّال.

قد تبدو رحلة الإبتعاث للكثير منا ابعد من مجرد رحلة علم وقد تتجاوز ذلك فتصبح رحله تفكر و تأمل في واقع الحياة .. ورحلة للإكتشاف الذاتي والمعايشة في بيئة مختلفة وثقافات متعددة بعيدة كل البعد عن روتين حياتنا وما إعتدنا عليه طوال سنين حياتنا في بلدنا الام .. فهي فرصة تحتم علی المرء الخروج من دائرته المحدودة الی عالم أرحب وأوسع مليئ بمختلف الثقافات والديانات والعادات .. في هذه الرحلة يتعلم المرء اكتساب مهارات السلاسة و المرونة في التعامل مع مختلف الأعراق و الديانات وكيف يروّض ما في داخله من أحاسيس وإنفعالات عنصرية بغيضة تتعارض مع ما حثنا عليه ديننا الإسلامي وما شجعنا عليه .. ومن هنا .. ينتهز المرء هذه الفرصة لتمثيل دينه الاسلامي علی افضل حله بالتقبل ودماثة الخلق وحسن المعشر.

اما انا .. فقد بدأت رحلتي بشغف نحو النجاح و التميز العلمي دون أن أفقد رغبتي في خوض التجربة والتعلم من مدرسة الحياة  .. وهي تجربة مختلفة بالفعل .. مختلفة بحكم الصعوبات وتحمل المسؤوليات وأنت تبحث عن اثبات الذات بعيدا عن وجود العائلة وتأثيرها علي في أدق تفاصيل حياتي .. لكن الطموح و الحلم فجرا في داخلي القدرة على التحدي فصنعت من دعم والدي وإخوتي راية ترفرف دائما امام عيني وتدفعني للتمسك بما أتيت من أجله مهما طال الوقت أو بعدت المسافات.

 كنت بعد تخرجي من جامعة الملك سعود في عام 2009 و قبل مجيئي إلى البعثة قد إلتحقت بمستشفى الملك فيصل التخصصي و مركز الأبحاث كطبيب مقيم .. وأثنائها حصلت  بتوصيه من أساتذتي علي قبول بمرحلة الماجستير في جامعة  Restorative في تخصص طب الأسنانوتعتبر هذه الجامعة من افضل واعرق الجامعات في مجال تخصصي وتمتاز بخدماتها الرائعة التي تقدمها للطلاب ومنها المكتبات التي تتاح للطالب الإستذكار فيها ومراجعة دروسه وأبحاثه و توفر له المقالات والأبحاث الطبية المطلوبة و كذلك الدورات التعليمية لكل ما يخص البرامج الالكترونية والميديا التي تساعده على إتمام دراسته و إستنباط وتقديم افكاره بطريقة مبتكرة و سهلة.

آن آربور مدينتي التي أعيش فيها ..وهي مدينة ريفية .. رقيقه بشوارعها ودكاكينها وبساطة وطيبة اهلها .. ولكنها رغم ذلك تقسو كثيرا في الشتاء.. بردها قارص.. ويغلب عليها طابع الهدوء الشديد من بعد غروب الشمس حيث لا تجلب النوافذ الا صوت الرياح الباردة والعواصف الثلجية .. لقد فرضت علي هذه المدينة أن أرابض في منزلي لفترات طويلة إكتشفت بعدها انها بمثابة فرص رائعة لتكريس جهودي نحو الإبحار في مجالي العلمي أكثر فأكثر ..ولقد ساعدتني هذه الظروف حقا في النهوض بشخصيتي والتعرف على ذاتي.  

والآن بعد كل هذه التجارب المليئة بالتحديات والصعوبات استطيع ان اقول بأنني وكأنني أتنفس الصعداء فقد أوشكت رحلتي الطويلة أن تثمر ثمارها وأن تحقق أهدافها .. غير انني على طموحي أسعى دائما للمزيد من الإنجازات .

الآن وبكل سعادة وفخر وقد شارفت الرحلة على نهايتها قد كرست سنتي الأخيرة لكتابة رسالة الماجستير و العمل اكثر على تخصص الحالات التجميلة في العيادات لإكتساب خبرات فيها و التعرف على وجهات نظر اساتذتي ومن حولي .. خاصة وأنه من أكثر التخصصات التي أميل إليها ..  وبتوفيق من الله عز وجل اتممت حالة تجميلية بعد أن مارست العمل عليها لما يقرب من ستة أسابيع خارج أوقات الدوام الرسمي وقد تم اختيارها لتُعرض في الأكاديمية الأمريكية لإصلاح الأسنان في شيكاغو American Academy of Operative Dentistry. 

وتعد هذه التجربة من أجمل النجاحات اللتي شعرت بها على الصعيد الشخصي و الإنساني .. وكذلك قدرني الله سبحانه وتعالى علی اصلاح أسنان سيدة اربعينية عانت من اسنانها لمدة ستة عشر عاما .. فلجأت الينا لتجميل أسنانها الأمامية لتعزز ثقتها ورضاها الداخلي ..  وبالفعل .. قمنا بالتشخيص وتأكدنا من العلاج الانسب لها .. و باستخدام الحشوات التجميلية  تم بناء الأسنان الامامية و التحتية .. و بتوفيق من الله كانت سعيده جداً بالنتائج التي توصلنا إليها وقد لامست قلبي بكلمة لن أنساها أبدا حينما قالت لي : سأبتسم من اليوم في كل وقت .. في تلك اللحظة شعرت بالفخر يملؤ قلبي بانني استطعت ان اترك اثرا طيبا عند احدهم بعد سنين من المعناة.

 لقد بثت هذه التجربة في داخلي روح حب العمل الأكثر إبداعا وجعلتني ادرك ان مهنة طب الأسنان ليست فقط مجرد طابع طبي و فني وانما أيضا مهنة انسانية في نفس الوقت.

واخيرا .. أود أن ابعث من خلال هذه الحروف رسالة لكل الطلاب بتعزيز الجانب الإبداعي خارج الإطار الدراسي وذلك من خلال السعي لإيجاد فرص وانشطة متعلقة بمجالهم من مؤتمرات و دورات تجعل منهم أشخاصا اكثر احترافية لبناء مجتمعات متقدمة شغوفين بكل ماهو جديد .. ولا شك أن هذا العطاء والمجهود الإضافي الذي تقدمونه سيكون له مردوده الإيجابي  مهما صغر حجمه أو كبر.

وفي النهاية .. فإن انتهاء هذه الرحلة ليس الا بداية لي .. لإنجاز المزيد والمزيد من النجاحات و تفعيل جو العمل الإبداعي في كل زمان ومكان .. فطموحي وما أتطلع إليه يجعل من مهنتي مصدرا للعطاء الإنساني و ابرازا للجانب الفني الجمالي في طب الأسنان التجميلي .. ولن أدخر وسعا في تحقيق ذلك.

 

 

 

تحديثات فيسبوك وتويتر