جامعة بيركلي أحد الجامعات الرائدة البارزة في الولايات المتحدة الأمريكية إن لم يكن على مستوى العالم .. تقع في مدينة بيركلي الواقعة على الجانب الشرقي من خليج سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا وهي جامعة بحثية يعود تاريخ تأسيسها وتوقيع ميثاقها من قبل هنري هايت Henry H. Haight حاكم ولاية كاليفورنيا إلى يوم الثالث والعشرين من شهر مارس عام 1868 .. وهي بذلك تعد أقدم الجامعات الحكومية العشر التابعة لولاية كاليفورنيا  ..

وكانت الأرض التي بني عليها الحرم الرئيسي للجامعة في بيركلي قد تم شراؤها في عام 1866 من كلية كاليفورنيا الخاصة التي كانت تعاني في ذلك الوقت من أزمة مادية تؤثر على إستمرارها .. فلم تجد إلا البيع والإندماج في النهاية مع كلية الفنون الزراعية والتعدينية والميكانيكية Agricultural, Mining, and Mechanical Arts College الحكومية ليشكلا معا ما يسمى بجامعة كاليفورنيا .. وقد تم تعيين البروفيسور جون لي كونتي John Le Conte رئيسا مؤقتا لها إلى حين تعيين رئيس دائم وبقي فيها حتى قيام مجلس الجامعة في السادس عشر من شهر أغسطس عام 1870 بإنتخاب هنري ديونانت Henry Dunant مؤسس كلية كاليفورنيا الخاصة أول رئيسا لها .. إلا أنه لم يبق غير عامين فقط في هذا المنصب وكان قد فضل الإستقالة لكبر سنه وإتاحة الفرصة لمن هو اصغر منه للقيام بهذه المهمة .. وعلى الفور تم إختيار دانيال غيلمان Daniel Coit Gilman ليكون خلفا له .. ومع ذلك  ظل هنري ديونانت رغم شيخوخته  لمدة ثلاث سنوات أخرى في العمل العام بصفته العمدة السادس عشر المنتخب لمدينة أوكلاند .

يفتح التاريخ أبوابه على مصراعيه لعشرة من أعضاء هيئة التدريس وما يقرب من أربعين طالبا .. ليؤرخوا لمهمة  تأسيس وإفتتاح جامعة جديدة في ولاية كاليفورنيا لم تكن قد رسمت على الخريطة بعد .. وكنا على موعد معها في شهر سبتمبر عام 1869 .

الجامعة والفيلسوف

كانت الجامعة قد رسمت ملامحها على أرض خواء في عقل مصمميها فإضطرت أن تستأنف الرحلة على أرض الواقع بدون مبانيها فإستخدمت مؤقتا مباني كلية كاليفورنيا الخاصة في أوكلاند .. لم يكن إسم الجامعة قد تحدد أيضا  كي تعلن عن هويتها وإنتمائها فإقترح أندرو جابريلسون Andrew Gabrielson وكان أحد أمناء كلية كاليفورنيا الخاصة إختيار إسم المطران والفيلسوف الانجلو ايرلندي جورج بيركلي George Berkeley إسما للجامعة تكريما له .. وهو إسم مستحق لعالم بارز ..  وهو أيضا صاحب نظرية اللامادية immaterialism التي تقوم على الاعتقاد بأنالأشياء الماديةليس لها وجودموضوعي .. هذه النظرية التي عرفت فيما بعد بنظرية المثالية الذاتية Subjective Idealism التي تنفي الوجود المادي وتؤكد على أن الأشياء المرئية المألوفة لدينا كالمقعد والمنضدة وما إلى ذلك ما هي إلا محض أفكار في عقولنا .. وقد تم إختيار إسم جورج بيركلي تكريما له في عام 1870.

خطوة خطوة حتى نتهيأ لتتبع مسار الطريق التي رسمته هذه الجامعة .. وهي تجربة ثرية يحق للمجتمعات التنبه لها وتتبعها ... القبول في أول الأمر كما هو مألوف للرجال فقط أو للنساء أيضا ولكن على إستحياء .. لكن هذه الجامعة منذ بداية مسيرتها العملية قد أعلنت في عام 1871 من خلال مجلس الجامعة عن عزمها لتحقيق مبدأ المساواة في القبول الجامعي بين المرأة والرجل .. حانت البداية الحقيقية وأصبح للجامعة مبنى خاص بها تنتقل إليه وما أن حانت اللحظة في عام 1873 إنتقلت الجامعة إلى موقعها الجديد في بيركلي وبرفقة إدارتها 167 طالبا و 222 طالبة .. ظاهرة تستحق الملاحظة .. حينما تكون الغالبية في هذه الجامعة من النساء في وقت لم تكن تحبذ فيه هذه الأغلبية .. والأكثر من ذلك أنه لم يمض عام واحد فقط لتعلن الجامعة في عام 1874 عن تخرج روزا لي سكريفنر Rosa L. Scrivner كأول امرأة تتخرج بدرجة بكالوريوس الفلسفة في العلوم الزراعية Bachelor of Philosophy degreeمن الجامعة .

شخصيات تصنع التقدم والحضارة

لا تبنى الجامعات من الرمال والحجارة بل يزرع فيها الأفكار التي تضيئ ويشارك فيها الأيدي السخية بالعطاء والعقول التي تتميز بالرؤية البعيدة .. كانت فويبي أبرسون هيرست  Phoebe Apperson Hearst والدة الناشر والصحفي الشهير أحد هذه الشخصيات .. بها بدأت الجامعة أولى مراحل الإنطلاق .. في عام 1891 قدمت هيرست للجامعة هدايا كبيرة وعديدة من بينها منح لعدد من البرامج فضلا عن رعايتها للمسابقة المعمارية الدولية التي أقيمت لإختيار تصميم معماري لهذه الجامعة وقد فاز فيها في عام 1899 المصمم المعماري والرسام الفرنسي هنري جان إميل بينارد Henri Jean Émile Bénard  عن مشروعه الذي قدمه تحت عنوان روما Roma .. ولم تكتف السيدة هيرست بذلك بل قامت بتمويل بناء مؤسسة هيرست التذكارية للتعدين و قاعة هيرست .

الأفكار العظيمة البناءة لا تكتفي بداعم أو راع أو رجل خير واحد بل هي تجتذب إليها الكثيرون .. لذلك  لم تكن هيرست وحدها في هذا السباق الذي يدشن لبناء جامعة بلغت بفضلهم  أرقى المراتب في صرح التعليم الجامعي والأكاديمي والبحثي ليس في أمريكا وحدها بل و في العالم ... كان رجل الأعمال الأمريكي الألماني اليهودي الأصل ليفي شتراوس  Levi Strauss داعما آخر بارزا بين الداعمين .

بنيامين ويلر يبني سمعة الجامعة

  إتجهت الجامعة في عام 1899 إلى مرحلة اخرى تحت إشراف رئيسها بنيامين إيد ويلر Benjamin Ide Wheeler الذي ظل رئيسا لها لمدة عشرين عاما متصلة حتى عام 1919 .. وهو الذي نجح في  جذب أعضاء هيئة تدريس من ذوي الشهرة والمكانة العلمية إليها  .. وفي تدبير الأموال للبحوث والمنح الدراسية اللازمة للإرتقاء بها وبسمعتها .. وتعد مزرعة الجامعة التي تم إنشاؤها عام 1905 بالقرب من ساكرامنتو من أبرز الأعمال التي قامت بها الجامعة طوال هذه الفترة .. وهي التي أصبحت فيما بعد جامعة كاليفورنيا في ديفيس UC Davis .

إتخذت الجامعة طابع الجامعات المعاصرة وإهتمت بالفنون والآداب وصممت مبانيها على هذا النحو الذي يجمع بين الأصالة والكلاسيكية وبين الجديد ويشكل جوهر العمارة وخصوصيتها في حرم جامعة كاليفورنيا ببيركلي .. وكان إستاد كاليفورنيا التذكاري من أبرز هذه المباني التي تم نصميمها في عام 1923 بواسطة المهندس المعماري جون جالينوس هوارد  John Galen Howard

كان لجامعة كاليفورنيا بيركلي دور هام في حركة الاستقلال الهندية خلال الحقبة الأولى من بداية القرن العشرين حينما قام طلابها الهنود بدور فاعل في تشكيل حزب غادار الراديكالي وتسريب ورقة الحزب وكانت بعنوان هندوستان غادار Hindustan Ghadar داخل المستعمرات البريطانية في الهند من وراء أعين الشرطة.

روبرت سبرول يواجه الكساد والحرب بقلب من حديد

تولى روبرت جوردون سبرول Robert Gordon Sproul رئاسة الجامعة في عام 1930 وخلال فترة ولايته التي إمتدت لنحو 28 عاما حصلت الجامعة على الإعتراف الدولي كجامعة بحثية رئيسية .. وكان سبرول قبل توليه منصبه قد تجول لمدة ستة أشهر عبر الجامعات والكليات الأخرى لدراسة أساليبها وطرقها التربوية والإدارية وخلق رابطة بينه وبين أعضاء التدريس الموهوبين فيها لجذب مايمكن أن يستعين بهم في المستقبل .. غير أن الكساد العظيم وأحداث الحرب العالمية الثانية التي طالت فترة رئاسته أدت إلى قطع و تخفيض بعض الموارد ومصادر التمويل .. وكان على سبرول أن يكون رجل المهمة الصعبة الذي يأتي في الوقت المناسب ومعه الحل .. كان عليه أن يحافظ على ثبات المعايير الأكاديمية والبحثية فأصدر حملته الشهيرة للبحث عن مصادر تمويل خاصة ونجح فيها فإستقرت الجامعة وحافظت على مستواها رغم الظروف والمشاكل الإقتصادية الهائلة .. و بحلول عام 1942 أظهر تصنيف المجلس الأمريكي للتعليم بلوغ جامعة كاليفورنيا ـ بيركلي المرتبة الثانية في عدد من الأقسام والتخصصات الأكاديمية المتميزة بعد جامعة هارفارد .

الخدمة الإجبارية وبرامج تدريب الضباط في بيركلي

أنشئت كلية الفنون الزراعية والتعدينية والميكانيكية الحكومية في عام 1866  بقرار من المجلس التشريعي للولاية وبموجب الإستفادة من قانون موريل الذي صدر في عام 1862 الخاص بتمليك الأراضي وإعطاء منح للكليات الفيدرالية  .. وكان مطلوبا من الخريجين الذكور في الجامعة الجديدة ببيركلي الخدمة الإلزامية لفترة ساعتين في كل أسبوع ولمدة أربع سنوات وذلك للتدريب على بعض التكتيكات والتحصينات العسكرية والهندسية والرماية وإقامة المخيمات وأعمال الحفر وغيرها وذلك في مقابل الحصول على حصة من المساحات المخصصة للتمليك في ولاية كاليفورنيا وقدرها  150 ألف فدان .. وقد أصبح هذا الشرط الإلزامي معمولا به إلى أن تم إسقاطه تدريجيا لتصبح مدة الخدمة عامين بدلا من أربعة أعوام في عام 1904 .

إزداد الوجود العسكري والتجنيد الإلزامي لطلاب الجامعة الذكور .. وأصبحت الجامعة تضم ترسانة لهذا الغرض إستمرت حتى نهاية الحرب ومابعدها إلى أن إضطر مجلس الجامعة في بيركلي في عام 1962 إلى تلبية المطالب الطلابية الغاضبة وإتحاداتها بإنهاء قترة التدريب العسكري الإلزامي .

لم ينفصل دور الجامعة أبدا عن متطلبات الحياة وظروفها وتحدياتها ومجالاتها في المجتمع .. وكان الجانب العسكري أحد هذه المجالات .. ويذكر تقرير رئيس الجامعة الصادر في عام 1902 أن عدد الطلاب العسكريين الذين إلتحقوا بالجامعة في عام عام 1901 قد بلغ ما يزيد عن 866 طالبا .. وأن التعيينات في رتبة ملازم ثان في الجيش النظامي قد منحت للعديد من هؤلاء الطلاب الذين تميزوا كضباط في الجامعة العسكرية .. وكان من المأمول أن تؤسس وزارة الحرب لسياسة دائمة تقوم بتعيين عدد من الخريجين في كل عام ممن يظهرون مقدرة زمهارة في المناورات العسكرية بالجيش .. أما بالنسبة لمراكز وبرامج التدريب فقد قامت الجامعة في عام 1917 بإعداد برنامج تدريبي غير مسبوق لتدريب ضباط الإحتياط و كتيبة الدببة الذهبية التي كانت تقوم بدورها في تخريج ضباط للجيش منذ عام 1870 وهذا البرنامج مازال موجودا ويتم تدريب ضباط إحتياط الفروع الرئيسية الأربعة للجيش عليه .. وفي هذا السياق أنشأ أميرال أسطول المستقبل تشيستر دبليو نيميتز Chester W. Nimitz في خريف عام 1926 مركزا لتدريب ضباط الإحتياط و مدرسة للملاحة الجوية العسكرية لتدريب طياري المستقبل .. وخصصت قاعة بولز لبرنامج الجيش والبيت الدولي برنجتون لبرنامج البحرية والعديد من الأفراد لمدربيها وحينما إنتقل في يونيو عام 1929 كان قد ذهب تاركا وراءه وحدة عسكرية مكونة من 150 طالبا مسجلا بالأكاديمية البحرية وستة من المفوضين ومثلهم من صغار الضباط .

كان دور الجامعة حيويا وإيجابيا في إعداد وتأهيل عدد كبير من ضباط الجيش وقادته العظام وكان وزير الدفاع الأمريكي الأسبق روبرت مكنمارا Robert McNamaraورئيس الأركان الأسبق  فريدريك سي وياند  Frederick C. Weyand من خريجي برنامج تدريب ضباط الاحتياط في كال .. ومن قبلهما جيمي دوليتل James H  doolittle الذي تخرج بدرجة البكالوريوس في عام 1922

بيركلي تخوض الحرب العالمية الثانية بعلمائها ومختبراتها

خلال الحرب العالمية الثانية كانت الجامعة ومختبراتها على قدم وساق تؤدي دورها المنوط به ليس فقط في أوقات السلم بل أيضا في أوقات الحرب ..  أي كانت الآراء السياسية وجدلياتها يبقى العالم والمخترع ضرورة حتمية لإكتشاف الحاجة أي كانت خطورتها ... في هذه الحرب تعاقد الجيش الأمريكي عام 1942 مع مختبر إشعاع إرنست أورلاندو لورانس Ernest Orlando Lawrence بالجامعة في بيركلي والذي يعد أحد معالم التاريخ الأمريكي الهام للإستفادة من بحوث الجامعة المتطورة في الفيزياء النووية ولتطوير القنبلة الذرية فيما يعرف بمشروع منهاتن Manhattan Project.. وقد أسندت رئاسة هذا المشروع العلمي لأستاذ الفيزياء بالجامعة جي روبرت أوبنهايمر J. Robert Oppenheimer .. وكان قد صادف ذلك أيضا اكتشاف العالم والباحث الأمريكي بالجامعة  جلين سيبورج Glenn Seaborg لعنصر البلوتونيوم .. وجنبا إلى جنب مع هذا المختبر أدارت الجامعة مختبرين آخرين أحدهما مختبر لوس ألاموس الوطني وأنشئ عام 1943 والآخر مختبر لورانس ليفرمور الوطني  الذي أنشئ عام 1952 .. وأصبحت بيركلي  في الفترة بين عامي  1943 و 1946 واحدة من بين  131 كلية وجامعة على المستوى الوطني شاركوا  في برنامج تدريب  V- 12   فأتاحوا بذلك الفرصة لإلحاق الطلاب في خدمة البحرية .. وبحلول عام 1944 كان هناك أكثر من ألف من أفراد البحرية يدرسون في كال Cal .. وما يعادل واحد من كل أربعة طلاب بيركلي من الذكور .

المكارثية والحركات الطلابية

يرتبط مصطلح المكارثية McCarthyismبإدعاء السياسي والسيناتور الأمريكي الجمهوري البارز جوزيف مكارثي Joseph Raymond "Joe" McCarthy سيناتور ولاية وسكنسون بين عامي 1947 و 1957 بأن هناك أعدادا كبيرة من الشيوعيين والجواسيس داخل الولايات المتحدة يعملون لصالح السوفييت ومن ثم يتعين ملاحقتهم .. ولقد أصبح هذا المصطلح فيما بعد شعارا  أخذ به مجلس الجامعة عام 1949 في إصدار شرط قسم الولاء المناهض للشيوعية .. وهو قسم كان المقصود منه دعم دستور الولايات المتحدة و دستور ولاية كاليفورنيا ضد كل الأعداء الأجانب والمحليين ولا زال هذا القسم مطلوبا من كافة موظفي الجامعة حتى الآن .

إعترض على هذا القسم عدد من أعضاء هيئة التدريس من بينهم عالم النفس المقارن البارز إدوارد سي تولمان  Edward C. Tolman وكان له في الحرم الجامعي مبنى بإسمه مخصصا لإسكان طلاب أقسام علم النفس والتربية فطردوا من عملهم ولم يعودوا إلى وظائفهم أو ترد إليهم رواتبهم إلا بعد عشر سنوات .

 في عام 1952 بدأت عملية إعادة الهيكلة لنظام جامعات كاليفورنيا الحكومية العشر وأصبح لكل منها كيان منفصل مستقل بذاته ولكل منها مستشارها الخاص .. وقد أدت عملية إعادة الهيكلة إلى تولي سبرول رئاسة نظام جامعات كاليفورنيا الحكومي بأكمله بينما أصبح كلارك كر Clark Kerr أول مستشار للجامعة في بيركلي

الستينات وما أدراك ما الستينات

إرتبطت الستينات في جامعة كاليفورنيا بيركلي بالحركات والإحتجاجات الطلابية وكان من أبرزها حركة حرية التعبير Free Speech Movement وهي مؤسسة طلابية رسمية ظهرت في عام 1964 كرد فعل للحظر الذي فرضته الجامعة على النشاط السياسي بها .. وكذلك الحال بالنسبة للاحتجاجات الطلابية التي إندلعت بسبب نشوب حرب فيتنام ورفض الطلاب التدخل الأميركي فيها.. وتعد إحتجاجات  حديقة أو منتزه الناس People's Park التي حدثت في عام 1969 من أبرز الإحتجاجات في تاريخ الجامعة .. وكانت قد نشبت بسبب قيام عدد من طلاب الجامعة وبعض المقيمين من سكان المدينة بتحويل الأرض التي إعتزمت الجامعة بناء ملاعب رياضية عليها إلى حديقة عامة مما دعا الجامعة إلى إرسال رجال الأمن لإنفاذ القانون وتجريف الحديقة بالبلدوزر لإستعادة السيطرة عليها .. وقد ساعد على زيادة حدة الإحتجاجات الوعد الذي أخذه الرئيس رونالد ريجان على نفسه أثناء حملته الانتخابية لمنصب حاكم ولاية كاليفورنيا بأنه سيقوم بتنظيف بيركلي وغيرها من الجامعات لتحقيق هدوئها وإستقرارها إلا أنه حينما تولى حكم هذه الولاية وإزاء هذه المشكلة دعا قوات الحرس الوطني لمواجهة الأزمة بحسم مما أدى إلى تصاعد العنف ووفاة طالب و طعن  ضابط شرطة فضلا عن فقد أحد المارة لعينيه وإصابة أكثر من اثني عشر شخصا مما دفع الجامعة في نهاية الأمر إلى إيقاف تطوير الأرض رغم ملكيتها لها .

ويختلف الأمر هذه الأيام عنه في الستينات حيث يبدي طلاب الجامعة في بيركلي بشكل عام إهتماما أقل بالنواحي السياسية وعدم الإنغماس فيها مثل من سبقوهم .. ويشير استطلاع للرأي أجري في عام 2005 أن 51٪ من الطلاب الجدد ببيركلي يعتبرون أنفسهم ليبراليين .. وأن 37٪ يعتبرون أنفسهم معتدلين .. وأن 12٪ من المحافظين .. أما من الناحية العقائدية فتشير الإحصاءات أن  43.8٪ ليست لديهم مرجعية دينية معلنة وهي نسبة كبرى تدعو إلى التأمل إذا ما قورنت بالمعدل الوطني البالغ 17.6٪  .. ولا يتعارض ذلك مطلقا مع فكرة التدين في حد ذاتها ولكنه يدخل في نطاق الحرية الخاصة التي لا يحق فيها الإفصاح للتفريق بين الأشخاص على أساس الجنس أو العرق أو العقيدة أو حتى الإنتماء السياسي.

وعلى ذكر الإنتماء السياسي تعد منظمة الجمهوريين أكبر منظمة سياسية في الحرم الجامعي ببيركلي .. على الرغم من تفوق الديمقراطيين عليهم في الأوساط الطلابية وفي عدد أعضاء هيئة التدريس الذين تصل نسبتهم إلى الجمهوريين إلى نحو 9-1 .. وقد تثير هذه النسبة الكثير من الإنتقادات والإتهامات حول تحيز أعضاء هيئة التدريس للبراليتهم .

ويعد مرتفع تايت واد أو مرتفع البخيل Tightwad Hill الاسم الشعبي لتلة كارتر من بين المشاكل والقضايا التي تثير الإحتجاجات وهذا المرتفع يقع خلف الحرم الجامعي وعلى منطقة أو هضبة مسطحة ترتفع إرتفاعا حادا بنحو 100 قدم فوق الحافة الشرقية من ملعب إستاذ الذكرى .. وعلى هذه التلة يتجمع المتفرجون لمشاهدة المباريات وتشجيع فرق الدببة الذهبية مجانا ودون حاجة لشراء تذاكر.. ولهذه التلة ناسها وروادها الذين لا يشعرون بالمنافسة والحماسة إلا بمشاهدة المباريات من فوق التل والإستمتاع بالمناظر الخلابة للحرم الجامعي ووسط المدينة و خليج سان فرانسيسكو ..

نشأت التلة من ركام الأوساخ والنفايات وبقايا الإزالات والحفريات التي تم رفعها من منخفض وادي الفراولة لهذا المكان ويقال أن المرة الأولى التي شوهد فيها المشجعون وهم يعتلون هذا التل كان لمشاهدة المباريات والألعاب الرياضية التي أقيمت في الإستاذ عام 1924 أي بعد عام واحد فقط من تاريخ إنشائه في عام 1923 .

وتلقى الجامعة الكثير من الإعتراضات على الخطط الموضوعة لتجديد استاد الذكرى وتحديثه وخاصة من الطلاب والخريجين وغيرهم ممن يواظبون على مشاهدة مباريات كال لكرة القدم مجانا وذلك خوفا من تعارض هذه الخطط مع بقاء المكان في وإستمرار تأثيره الخلاب على رواده من المشجعين والمتفرجين .

في مؤسسة علمية وثقافية كبيركلي يندر أن لا تظهر الإحتجاجات ... فالإحتجاج هو نوع من الرفض لشيئ ما أو حالة ما مطلوب تصحيحها أو مشاركة الحوار المجتمعي فيها .. وإن كنا نتحدث عن بيركلي وبحوثها فلا يمكن أبدا تجاهل إحتجاجات جماعات حقوق الإنسان والحيوان المختلفة على البحوث التي تجريها الجامعة وتنطوي أبحاثهم على استخدام الإنسان والحيوانات في التجارب .. وعلى النقيض أيضا لا يمكن أن نتجاهل رفض جماعات الأمريكيين الأصليين لقيام الجامعة ومتحف فويبي هيرست بتفكيك وحدة علوم الإنسان لإعادة اللاجئين لأوطانهم وعدم رغبتهم الامتثال لقانون حماية مقابر الأمريكيين الأصليين و العودة إلى الوطن .. في حين يرى المسؤولون في بيركلي أن إعادة تنظيم المتحف يتوافق مع القانون و سيشمل جميع موظفي المتحف في عملية العودة إلى الوطن ..

الإستقلال والإعتماد الذاتي .. عنوان نجاح الجامعات

البدايات لايمكن أبدا الإستغناء عنها .. وتبرعات الأفراد حجر زاوية يتم تقييمه بحجم الحلم الذي يحلم به كل منهم في مستقبل باهر لهم ولأبنائهم من بعدهم .. دخول الدولة في هذا المسار اساسي جدا خاصة حينما تكون فرص الجامعة للنهوض بأعباء المجتمع مبشرة ومحتملة ... كل ذلك ضروري لبناء وتشييد جامعة ذات مستوى .. الشيئ الوحيد الذي لم نتحدث عنه بعد يتلخص في الكيفية التي تضمن الجامعة إستمراريتها بنفس المستوى بل وأعلى بدون كل هذه المساعدات ... ولدى بيركلي هذه التجربة وأكبر دليل على إستقلاليتها وإعتمادها الذاتي على تمويل نفسها بنفسها .. فلا يمكن أن ننسى مثلا حالة الكساد التي مرت بها الولايات المتحدة والعالم في الثلاثينات وكيف تخطت بيركلي هذه العقبة وإجتيازها والآن أصبح للجامعة تعداد طلابي لايقل بأي حال عن 35 الف طالب يحتاجون إلى تكلفة وإستثمار وعلى الجامعة أن تدبر الموارد التي تضمن لها هذه الإستمرارية .. اعتبارا من عام 2006 إحتاجت الجامعة في بيركلي أكثر من أي حرم جامعي آخر في نظام جامعات كاليفورنيا إلى مزيد من الاستثمار الرأسمالي من أجل الحفاظ على بنيتها التحتية وتنفيذ مشاريعها في التحسين والتطوير .. ولم يكن ذلك ليتحقق أبدا بدعم من الولاية وحدها فإتجهت بيركلي على الفور نحو المصادر الخاصة التي تضمن الحفاظ على برامج البحوث الأساسية فيها .. في عام 2007 تلقت الجامعة ومعها جامعة إلينوي بإربانا شامبين من شركة النفط العملاقة BP مبلغا وقدره 500 مليون دولار لإنشاء مختبر أبحاث مشترك لتطوير الوقود الحيوي .. كما قامت مؤسسة هيوليت بمنح مائة كرسي  لأعضاء هيئة التدريس بلغت قيمتها نحو  113 مليون دولارا   وفضلا عن ذلك منحت شركة داو للكيماويات الجامعة مبلغ عشرة ملايين دولار لتغطية تكاليف برنامج للبحوث يشرف عليه المدير التنفيذيي للشركة  مجال الاستدامة .

تعد شركة BP أو أوموكو سابقاواحدة من أكبر الشركات العالمية في إنتاج الطاقة كما يعد العقد الذي أبرمته مع جامعتي كاليفورنيا بيركلي وإلينوى إربنا شامبين لمدة عشر سنوات والمقدر قيمته بنحو 500 مليون دولار أكبر المنح التي تلقتها الجامعتان وخاصة مختبر لورانس بجامعة بيركلي .. وبموجب هذا العقد والتوقيع عليه صوت مجلس جامعة كاليفورنيا في مارس 2007 على بناء منشأة بحثية جديدة خصيصا لمعهد الطاقة والعلوم البيولوجية Energy Biosciences Institute (EBI)  .. وقد وصفها المسؤولون في الجامعة بأنا أول مؤسسة من القطاعين العام والخاص بهذا الحجم في العالم .. وقد تم بدء تنفيذ هذا المشروع رسميا في يوم الأربعاء 14 نوفمبر 2007 بعد موافقة أغلبية أعضاء هيئة التدريس عليها .. كما بدأ العالم ستيف كونين  Steve Koonin كبير علماء الفزياء النووية ورئيس BP بإتخاذ بعض الإجراءات التي أدت بجامعة بيركلي أن تكون شريكة في هذه المنحة ومنها أن يقوم طلابها وخريجوها وأعضاء هيئة التدريس فيها بمساعدة علماء الشركة في تصميم وتنفيذ النباتات والميكروبات المعدلة وراثيا التي يمكن إستخدامها  في صناعة الوقود الحيوي .

ولقد تعرضت الصفقة لبعض الإنتقادات من قبل بعض الطلاب والأساتذة بما في ذلك اغناسيو تشابيلا Ignacio Chapela وميغيل التييري  Miguel Altieri اللذان إدعيا أن هذا المشروع سوف يحل محل الأراضي الزراعية اللازمة لزراعة المحاصيل الغذائية في الدول الفقيرة وأنه سيتم استبدالها بمحاصيل زراعية أخرى مبتكرة تحمل براءة اختراع وتكون مملوكة لعدد من الشركات المتعددة الجنسية .. كما إدعى غيرهما أن الصفقة قد تمت في الخفاء بما يهدد سمعة بيركلي كمؤسسة مستقلة ديمقراطية في التعليم العالي .. وفي نفس الوقت يرى المؤيدون لهذه الصفقة ومنهم راندي ستشيكمان Randy Schekman أن ضخ الأموال من مشروع كهذا يعود بالفائدة على الجامعة في وقت تواجه فيه الجامعات الحكومية الأخرى إنخفاض متزايد في ميزانيتها الحكومية المخصصة من تمويل الولاية  فضلا عن ما ستحققه الجامعة من طفرة جديدة في أبحاثها وإنجازاتها التي تتركز على تطوير الطاقة البديلة وأهميتها في عالم اليوم

الجدية والتميز عنوان هذه الجامعة

الكثير والكثير يندرج تحت هذا الإسم الكبير لجامعة كانت أول وأقدم جامعة عامة تقدم المنهج الكامل في ولاية كاليفورنيا  فعرفت باسم جامعة كاليفورنيا .. وإشتهرت فأصبح إسمها يختصر في كاليفورنيا أو كال وكإنعكاس لتطور جامعات كاليفورنيا إلى نظام الجامعة ذات المؤسسات المتعددة .. لم يعد مصطلح جامعة كاليفورنيا جائزا رسميا وأصبح الاسم الرسمي هو جامعة كاليفورنيا  بيركلي UC Berkeley أو بيركلي أو كال .

والآن تقدم جامعة كاليفورنيا في بركلي نحو 108 برنامجا في مرحلة بكالوريوس و64 برنامجا في مرحلة الماجستير و نحو 96 برنامجا للدكتوراة غير البرامج المهنية التي تقدمها والتي عددها نحو 32 برنامجا مهنيا  وهو ما يوازي نحو 350 برنامجًا دراسيًا على المستويين الجامعي والدراسات العليا فضلا عن التدريب وجميعها يندرج تحت إدارة 14 كلية وعمادة تضم أقساما ومجالات واسعة في مختلف التخصصات .

يبلغ عدد الطلاب في برامج البكالوريوس أكثر من 25 ألف طالبا ومايزيد عن 10 آلاف طالب في برامج الدراسات العليا .. تحظى الجامعة بمكانة علمية عالمية عالية المستوى وبمرتبة متقدمة في ترتيب الجامعات على مستوى العالم تصل في أغلب الأحيان إلى مرتبة الخمسة الأول .. وتظهر مؤشراتها في الجوائز والميداليات والشهادات التي تحصل عليها من خلال أعداد ليست قليلة من الشخصيات المتميزة في مختلف المجالات .. فقد حصل على جائزة نوبل Nobel Prize العالمية نحو 70 شخصا ممن ارتبطوا بجامعة بيركلي سواء كانو أساتذة أو خريجين أو باحثين أو طلابا وهي من هذا المنطلق تعد سادس جامعة على مستوى العالم من حيث عدد الحاصلين على هذه الجائزة .. وفضلا عن ذلك فقد حصل أساتذة وباحثون في الجامعة على تسع ( 9 ) جوائز وولف Wolf Prize وهي جائزة إسرائيلية عالمية تمنح للعلماء والفنانين  والمهتمين بالإنجازات البشرية والعلاقات الإنسانية حول العالم بغض النظر عن العقيدة والجنس واللون والرؤية السياسية .. وهناك سبع ( 7 )  أوسمة فيلدز Fields Medal وهي ميدالية دولية للإكتشافات المتميزة في علوم الحساب وهي جائزة لم تمنح طوال الأربعين عاما إلا لعدد لا يزيد عن أربعة أشخاص في هذا المجال .. كما حصلت الجامعة على  خمس عشرة ( 15 ) جائزة تورينغ ACM A.M. Turing Award  وهي جائزة سنوية تمنحها جمعية الآلات الحاسبة للأفراد المتميزين في مجال الحاسب الآلي .. وفازت الجامعة بعدد 45 منحة أو زمالة ماك آرثر  MacArthur Fellowshipأو ما يطلق عليها بمنحة الأذكياء  وعشرين ( 20 ) جائزة  من جوائز الأوسكار في مجالات السينما والأفلام ..  و إحدى عشرة ( 11 ) جائزة بوليتزر في مجالات الأدب ... وفي إطار تطورها العلمي والبحثي فهي تقتني بداخلها نحو 32 مكتبة أكاديمية متنوعة تضم فيها أكثر من 10 مليون كتاب .. يأتي ترتيب هذه المكتبات على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية في المرتبة الرابعة بعد مكتبة الكونجرس ومكتبتي جامعتي  هارفارد و  ييل

وترتبط الجامعة وباحثوها بستة عناصر كيميائية مدرجة في الجدول الدوري للعناصر وهي : الكاليفورنيوم والسيبورغيوم والبيركليوم والآينشتاينيوم والفيرميوم واللورنسيوم فضلا عن إكتشافات مختبر بيركلي التي بلغت حتى الآن نحو ( 16 )  عنصرًا كيميائيًا بما يفوق ما اكتشفته أي جامعة في العالم.

ولهذه الجامعة فرق رياضية تفخر بشعارها التي تطلق عليه دبب كاليفورنيا الذهبية California Golden Bears .. وكثيرًا ما يختصر هذا الشعار إلى الدبب الكاليفورنية Cal Bears  ,وقد حصلت هذه الفرق على العديد من البطولات الرياضية الوطنية للرجال والفتيات في أكثر من 13 لعبة منها : كرة القدم الأمريكية .. السباحة والغطس .. كرة السلة .. التنس .. البيسبول .. الغولف .. الجمباز .. السوفت بول .. كرة الماء .. الرجبي ..التجديف ألعاب القوى اللاكروس .. لا شك انها جامعة تستحق البحث والتقييم والإستفادة من تجربتها.

 

 

تحديثات فيسبوك وتويتر