بقلم: فيصل الشمري 

falshammer@sacm.org 

يعتبر برنامج الابتعاث من أهم البرامج الحكومية بالمملكة و يعتبر من أهم برامج التبادل الحضاري على الاطلاق بين الشرق الاوسط و الحضارة الغربية .. وصل عدد مبتعثى المملكة الى مايزيد عن 152 ألف مبتعث ومبتعثة حول العالم وفي دول متعددة و ثقافات مختلفة من الصين اقصى الشرق الى الولايات المتحدة اقصى الغرب.

ولاشك أن التواصل الحضاري و الثقافي بين المجتمعات غربية كانت أم شرقية يكون لها تأثير كبير على سلوك و فكر المبتعث او المبتعثة وفي كثير من الأحيان وخاصة إذا كان التغير الفكري ايجابيا فيعود به المبتعث بالخير الى ارض الوطن ويساهم في نقل الخبرات و الأفكار و تجارب ونمط الحياة من المجتمعات التي عايشها أثناء الدراسة إليه.

من تجربتي المتواضعة مع برنامج الإبتعاث كطالب كنت أدرس على حسابي الخاص ومنه الى طالب مبتعث في مرحلتي البكالوريوس و الماجستير ثم موظف بوزارة التعليم العالي بالملحقية الثقافية السعودية بأمريكا فإن الطالب أو المبتعث يمر بعدة مراحل منذ بدء وصوله إلى الولايات المتحدة الأمريكية بهدف الدراسة .. وهي المراحل التي يتوقف عليها إستمراره في الدراسة أو إنقطاعه عنها وعودته إلى أرض الوطن .. وهذه المراحل تتشكل من معنى الإغتراب وحتميته وتزداد عبئا عليه كلما أحس أنه بعيد عن أهله وبلاده ولا يعوضه في المراحل الأولى عن ذلك إلا الصحبة الجيدة المفيدة والزملاء القدامي من أصحاب التجارب ... ولا شك أن ابرز تعريف لمعنى هذه المراحل يتلخص فيما يسمى بمراحل التكيف مع الغربة .. وأولها مرحلة الإنبهار بالمجتمع و البيئة الجديدة المحيطة والتي تعتبر في حد ذاتها اول مراحل مراحل الإتصال التواصل الحضاري و الثقافي مع الحضارة الجديدة .. و يبدء المبتعث في هذه المرحلة المقارنة بين محيطه الجديد و محيطة القديم .. ويرى كل ما هو أيجابي في الدولة المضيفة و كل ما هو سلبي في مجتمعه الام .. ثم تأتي بعد ذلك مرحلة الصدمة الحضارية او الثقافية cultural Shock .. وهي مرحلة خطرة جدا على مبتعثي مرحلة البكلوريوس تحديدا نظرا لصغر السن و قلة التجربة فالمجتع السعودي مجتمع يحتضن الشاب و الشابة من الصغر ويتولى رعايتهما حتى الزواج .. ويعتمد الشاب او الشابة السعودية في مجتمعهما المحلى بشكل كبير على رب و ربة الاسرة .. وهناك تواكلية شديدة حيث يوجد في معظم المنازل عادة الخادمة و السائق وكل وسائل الرفاهية التي تدعو للإتكالية .. بعكس الحال في مقر البعثة حيث يجب على المبتعث الإعتماد الكامل على نفسه .. ومن هنا تظهر الصدمة الحضارية  فيشعر الشاب أو الشابة انه وحيد ضائع قلق لان الوضع قد تغير و المعايير الاجتماعيىة التى اعتاد عليها قد تغيرت .. مما يؤدي به إلى حالة من الخوف وعدم قبول الواقع الثقافي الجديد ... وهذه المرحلة تدخل في إطار التكيف الجزئي إذا إستطاع  المبتعث أن يجتاز هذه المرحلة .. حيث يصبح أمامه أحد خيارين فإما أن يختار الطالب اسلوب التكيف و إما أن يرفض المجتمع الجديد الذي ابتعث إليه .. ويحاول الطالب أن يمسك العصا من المنتصف وأن يلجا لهذا التكيف الجزئي كحل ويستمر في دراسته دون أن يغير موقفه وبالتالي يتحصل على شهادته العلمية .. لكنه في نفس الوقت يكون قد فقد ميزة الإستفادة من حضارة و ثقافة المجتمع الغربي الذي جاء إليه ليكتسب منه الكثير من إيجابياته وتطوره العلمي والفكري .. اما  الطالب المندمج اندماجا كاملا في المجتمع الجديد بكل سلبياته و إجابيته فسوف يعاني من إنفصام ثقافي بين معتقداته التى نشأ بها على ارض الوطن و بين الحضارة الجديدة و عادة ماتعاني هذه العينة من الطلاب كثيرا عند عودتها لارض الوطن او حتى في الغربة خاصة وأنه في المجتمع الجديد قد لا يقبل المبتعث فيه تقبلا كامل .. فهو غريب في نظر البعض ووجوده في مقر البعثة مؤقت وكذلك الحال عند العودة للمجتمع المحلى فيشعر الاهل و الاصدقاء بتغيره الكبير الذي طرا على شخصيته وربما إستعلائه عليهم فيرفضونه .

ويعد التكيف الراشد من اهم انواع التكيف للمبتعث الناجح الذي يصقل من شخصيته بشكل سليم و تكون اتجاهاته و ميوله و تميز شخصيته نتيجة لهذا التكيف الراشد الذي يحثه يحث اختيار الأصلح له والأخد بالايجابيات و ترك السلبيات والتمسك بالقيم و العادات الحسنة من كلي المجتمعين ولاينسى أو يتناسى مطلقا جذوره ومجتمعه القديم الذي نشأ فيه ويستمر في إحتفاظه وتمسكه بقيمه الدينية وتراثه المجيد .

ويعد تطوير الذات من أهم أهداف برنامج الابتعاث وفوائده على الصعيد الشخصى وأيضا على الصعيد الوطني حيث أن تطوير المجتمع المحلي والإرتقاء بأفراده يعد أساسا لتطور الدولة ومن ثم فهذا البرنامج يشكل خطوة كبيرة في منهج التطور الذي يقوم على رفع مستوى الأداء الحكومي و الإرتقاء بالقطاعين العام والخاص ... ولن يتم ذلك ابدا دون رعاية ودراسة جادة لإحتياجات الوطن وسوق العمل فيه لتخصصات بعينها ... فالإهتمام بمثل هذه الأمور ضرورية للغاية في وضع الرجل المناسب في مكانه المناسب .. وعلى كل مبتعث أن يسأل نفسه هذا السؤال .. أكاد الهدف هو نيل الشهادة فقط أم التاهل للعمل والإنخراط فيه والتميز ؟!!! 

 

تحديثات فيسبوك وتويتر