بقلم : عادل الزهراني * 

هل هيَ الأم التي تستيقظ باكراً لتُصلّي صلاة الفجر وَتُوقِظ زوجها وأولادها .. ثم تقوم بتحضير طعام الإفطار لهم .. ومن ثم تنطلق للأبناء بلهفة وحنان تساعدهم في تجهيزهم للمدرسة .. وتأخذ بأيديهم تجمعهم مع والدهم على مائدة الإفطار وتبادلهم الحوارات القصيرة والنصائح وكلمات التشجيع ، ثم يهمّون جميعاً إلى السيارة .. ويودع الوالدان أبنائهم بنظرة حانية وقبلة دافئة ، هل تلكم الأم كتلك التي تستيقظ فزعة جزعة تستنفر أولادها على عجل توكل إليهم تجهيز أنفسهم بأي حال .. لا تُبالي إن تناولوا إفطارهم أم لا .. متجاهدة للخروج بتوتر وعُجالة لتصل عملها في الوقت المُحدد.

 على تلك الحال! تُرى ماكمية الرُّهاب وشد الأعصاب الذي يلقاه بنيها فضلاً عن البرود العاطفي وضُعف الاتزان الشخصي والسلام الداخلي مقابل المثال الأول؟

ثم هل حال الأولاد الذين يعودون إلى بيتهم فَيجدوا أمهم لدى الباب تنتظرهم بلهفة وانشراح فتقبلهم وتضمهم وتسأل عن يومهم كيف قضوه وقد جهزت لهم طعام الغداء الذي تفنّنت في تحضيره ليستمتعوا به .. هل يستوون هم ومن يعودون إلى بيتهم وأمهم خارج المنزل! ... أو لعلهم يذهبون إلى حضانة بانتظارها فيعودون معها لتبدأ بتحضير وجبة سريعة "أي كلام" أو لعلها تجلب لهم طعاما جاهزا، وذلك أدهى وأمر!

أيُّ أولئك سيكون ذو شخصية مُتّزنة يحمل في نفسه الحب والطاعة وهدوء النفس أكثر؟!

ليس المطلوب ألا تخرج الأم إن كان لطلب علم أو تبليغ منفعة ، فما فائدة قعود الام في البيت إذا غابت الرسالة والعلم والفهم بالمهمة والمسؤولية؟ من سيدرس بناتنا ومن سيعالج امهاتنا وازوجاتنا ، وما قيمة الأم "المُغيّبة" التي قد لا تغادر البيت ولا تدرك مشاكل المجتمع لتعد أبناءها للتعامل معه؟ إن مثل هذه الأم لو جلست في البيت فقد يكون ضررها أكبر من نفعها. 

لكن لا يكون الخروج والعمل هو الغاية والمقدّم إن كان القرار أولى والحاجة مُكتفية .. الأم الناضجة بغض النظر عن ظروف عملها أو مكانتها الاجتماعية .. تبتكر الطرق والوسائل الأنجح لتربية أولادها وتعويضهم وإعدادهم ليكونوا رجال أمة وقادة .. ليـُخرجوها مما هي فيه من ضلال وضياع وتخبّط ومذلة ..  كما كان حال أمهات الإئمة الذين نصروا الأمّة بالعلم والجهاد .. كإبن تيمية رحمه الله الذي كانت أمه رحمها الله مدرسة وعالمة .. والبخاري والشافعي وصلاح الدين الأيوبي والقائمة تطول .. 

كُنَّ أمهاتهم يحرصن على علو همّتهم بحضّهم على مُجالسة العُلماء الكبار وتشريفهم بحفظ أسمى كتاب - كتاب الله - واستشعار عظمة الصلاة والوقت ، والتشبّه بالصحابة والصالحين والأبطال من خلال سرد مآثرهم وسيرهم العاطرة. 

 

ماحالُ تلك وأخرى تبدأ يومها بتوتر وتقضي نهارها والساعات الطوال بمشاكل عملها والاهتمام بنتاجه والتشاغل به عن صغارها بما تحمله من هموم وإجهاد وافتقار للهدوء والنوم يُثنيها عن مُشاركتهم المُذاكرة والتحّاور واهتماماتهم .. هل هُما في الفضل سواء؟ وهل الثمرة تينع إلا من يُداريها؟ .. من جّدَّ وَ جدْ ، ومن زرع حصد.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلّم على سيدنا محمد .. *

 

عادل الزهراني * 

باحث و طالب دكتوراة بجامعة فيرجينيا تك - كلية العمارة

zahrani.adel@gmail.com 

 

تحديثات فيسبوك وتويتر