الوطن .. الأرض .. العلم ... كلمات تربينا عليها و تعلمناها .. عاصرنا الإحتفاء بها والوقوف أو الإنحناء لها في مدارسنا وحفظناها من مقرراتنا الدراسية .. من منكم لا يتذكر النشيد الوطنى الذي حفظناه عن ظهر قلب منذ الصغر :

 

سارِعي للمَجْدِ والعَلْياء
مَجّدي لخالقِ السّماء
وارفعي الخَفّاقَ أخضَرْ
يَحْمِلُ النُّورَ الـمُسَطَّرْ
رَدّدي اللهُ أكْبَر يا مَوطِني 
موطني قد عَشْتَ فَخْرَ المسلمين
عاشَ الملِكْ للعلمْ والوطنْ

كلنا حفظنا أغنية طلال مداح رحمه الله :

روحي وما ملكت يداي فداهُ
وطني الحبيب وهل أحب سواهُ ..
وطني الذي قد عشت تحت سمائهِ
وهو الذي قد عشت فوق ثراهُ
منذ الطفولةقد عشقت ربوعه
إني أحب سهوله ورباهُ
وطني الحبيب .. وطني الحبيب .. وهل احبسواهُ ؟

كثير من الأغنيات والأشعار تحكى عن حب الوطن وتتغنى به وتملؤ صدورنا إحساسا بالمجد والفخار .. كثير من هذه الأغنيات تلبستنا وغمرتنا وذابت في وجداننا .. فلم نقدر على الفكاك منها .. ولم نرغب في ذلك أبدا ..

ترى ما الذي يجعلنا نحب الوطن وتفخر به إلى هذا الحد ؟! .. وماهو الوطن ؟ .. أهو الأرض .. أهو المكان الذي نعيش فيه .. أم هو العائلة والفخد والقبيلة والدولة كلها ؟! .. أسئلة كثيرة تتناثر في مخيلتي حول الوطن والوطنية ولا أجد لها إجابة .. إلا هذا الحب الذي يفيض بلا حدود وبدون سبب .

هناك من يرى في الوطن الخدمات الذي تقدمها الحكومة لمواطنيها .. وهناك من يرى في الوطن مسقط رأس الشخص والمكان الذي ولد فيه .. كثيرون يجتمعون على الوطن بأنه المكان الذي ولد فيه الآباء و الأجداد .. وآخرون يشعرون في الوطن بأنه المكان الذي نشعر ونحس فيه بالأمان .

في بحثي عن معنى الوطن .. إكتشفت أنه كل هذه الأسئلة وأطروحاتها وأكثر تحمل معنى الوطن وتنتمي إليه .. فالوطن عقيدة مزروعة في قلب كل مواطن .. و محبة لا يمكن وصفها ولا يمكن حصرها في مكان ولدنا فيه أو نشأنا وترعرعنا بين ربوعه وفي أحضانه .. فالوطن أمر فطري، مجبولون عليه نحن جميعا .. إنسان وحيوان .. لأننا نجد فيه الدفء والإحساس بالأمان .

من أدلة ذلك .. قوله تعالى : [حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ] ... إذّ فحب الوطن أمر فطري شعرت به النملة في واديها فسعت إليه للإحتماء والأمان .

لماذا نحب وطننا كل هذا الحب ؟!! .

أعتقد أن هناك أمور كثيرة جداً تفرض علينا ذلك .. فأرض الحرمين الشريفين .. المملكة العربية السعودية .. أرض مقدسة طاهرة ينبلغ نورها في ضمائرنا وأفئدتنا .. فهي ارض الرسالة .. وأرض الأجداد .. و حب الوطن فيها جزء لا يتجزأ من حبنا لعقيدتنا وإيماننا بها .

لقد قدم لنا هذا الوطن وهذه الأرض الكثير مما لا يحصى ولا يعد .. ليس لنا فقط بل للأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء ... كان دائما وأبدا بالنسبة لي الأرض التي ترعرعت عليها و لعبت في حواريها وأحسست فيها بالأمن والأمان .. فيها منحت الحياة وأصقلتني التجارب فكبرت ونموت وأنا صغير .

كنت كما لو أنني الوطن ذاته .. اعيش فيه ويعيش في .. لم تبعدني غربة الأيام والسنين عنه .. ظل يقبع في وأقبع فيه في خلود وأنسة وحب جارف رغم البعاد .

لسنين طويلة إضطرتني الظروف للعيش بعيدا عنه .. فذهبت ودرست وتعلمت وعملت خارج الوطن .. لم تستطع الغربة أن تنسيني حب الوطن أو تثنيني عن شوقي وحنيني إليه ... لقد تغيرت شخصيتي كثيرا ونمت وتطورت أفكاري وأصبحت قادرا على التواصل والتفاهم مع ثقافات وشعوب أخرى .. ومع ذلك ظل الوطن عشقي الذي لا يغيب وحبي الذي لا ينصهر أو يذوب مع السنوات .. لقد تغيرت المعتقدات ولم يتغير حب الوطن .

بعد كل هذه السنين و بعد تجربة الحياة في الغرب و بعد زوال إنبهاري بأدواته المادية الرخيصة وسياساته غير المتوازنة إزدادت قناعاتي بأنه لا وطن إلا وطني .. ولا بلد إلا بلدي ولا أرض إلا أرض بلادي .. فهذا الوطن المعطاء يستحق منا الولاء والعودة للمشاركة في البناء و الإصلاح ودعم حكومتنا ودعم ولاة أمورنا .. فالعالم يتغير و الأعداء يتربصون من كل صوب ومن كل اتجاه .. من الغرب و من الشرق .. من القريب ومن البعيد .. والوطن خط احمر لا يمكن المساس به .. وواجب علينا حماية هذا الوطن بكل غال وتفيس .

يقول الرئيس جون كينيدي في خطابه الافتتاحي: "لا تسأل ماذا يمكن أن يقدمه بلدك لك .. وإنما اسأل ماذا يمكن أن تقدمه لبلادك .. وأقول لكل المواطنين والمواطنات لا تسألوا كثيرا فيما يقدمه الوطن لكم فأنت غرق لأذنيك في أفضاله وجوده وكرمه ولكن علينا جميعا أن نسأل كيف نرد الجميل

 

فيصل أبن أبراهيم الشمري

falshammeri@sacm.org

 

تحديثات فيسبوك وتويتر