مع زيادة أعداد المبتعثين .. وتطور برنامج خادم الحرمين الشريفين الذي يعتمد في تنفيذه على سياستين متوازيتين .. تقوم الأولى على دعم المبتعث السعودي والإرتقاء به تعليميا وأكاديميا .. وتقوم الثانية على الإستفادة منه كرمز ثقافي إعلامي دبلوماسي .. يقوم بدوره في تمثيل بلاده كسفير يعبر عن شخصيتها وهويتها في الخارج ...

 

وكان تدفق المبتعثين وزيادتهم وإتجاههم للدراسة في كافة الولايات الأمريكية .. عاملا إيجابيا لإنشاء الأندية الطلابية التي تمثل مراكزا ثقافية إجتماعية في محيط الحرم الجامعي وفي إطار المنطقة المحيطة به ... وكذلك تكوين تجمعات طلابية تعمل بصورة إيجابية تحت مظلة الجامعة وإشراف الملحقية على تحقيق التواصل الثقافي بين المجتمعين والشعبين السعودي والأمريكي لإرساء مبدأ التفاهم الإنساني والحضاري بين الشعوب.

وفي خطوة غير مسبوقة .. رأت الملحقية الثقافية أهمية دعم هذا الدور وتوفير كل السبل التي تضمن تحقيق التواصل المنشود بين الشعوب .. وذلك من خلال إنشاء متحف ثقافي يحمل إسم خادم الحرمين الشريفين .. ليكون منارة ثقافية متميزة ودائمة في المجتمع الأمريكي .. وقد رفع هذا الطلب لأولي الأمر .. فوجد الإستجابة والتشجيع .. وتلقت الملحقية بكل الإمتنان الأمر الملكي الكريم بموافقة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز يحفظه الله على تسمية القاعة الكبرى للمناسبات الوطنية والأنشطة الثقافية بمبنى الملحقية الثقافية السعودية بأمريكا بإسم : قاعة الملك عبد الله الثقافية .

وبموجب الأمر السامي .. شرعت الملحقية الثقافية بالإتصال مع الشركات المتخصصة لتصميم قاعة داخل مبنى الملحقية وفي محيطها تضم مقتنياتها الثابتة العديد من المنحوتات والمجسمات والقطع الفنية والنوافير .. فضلا عن التقنيات الألكترونية والرقمية اللازمة لتحديث العروض والأفلام وتجديد المعلومات أولا بأول .

وتسعى الملحقية ان يتم تصميم هذه القاعة على أحدث ما يكون .. وبما يتماشى مع التصميمات العالمية المعمول بها في المتاحف والمراكز والقاعات الثقافية المعروفة حول العالم .. وفي إطار مسعاها قامت الملحقية في نفس الوقت بمخاطبة العديد من الجهات والمؤسسات الثقافية المعنية بالتراث والثقافة والآثار والفنون بالمملكة .. لمساعدتها على تنفيذ هذا المشروع الكبير .. وإثراء القاعة بما يتوفر لديها من مقتنيات وقطع أثرية وتحف فنية ولوحات ذات قيمة تاريخية .. تعكس ثقافة المملكة وحضارتها وتراثها الإنساني والإسلامي العريق .. وتؤدي دورها في تبليغ الرسالة الثقافية التي تود الملحقية ومبتعثوها إبلاغها للمجتمع الأمريكي .

ولا شك أن إطلاق قاعة الملك عبدالله الثقافية في العاصمة الأمريكية .. وبالقرب من موقعها في ولاية فرجينيا .. سيمثل حدثا ثقافيا كبيرا جدا تتجه إليه الأنظار خاصة وأنه من المتوقع أن تصبح هذه القاعة منطقة جذب لسكان المنطقة من حولها .. ولكل المهتمين من باحثين ومختصين ومواطنين عاديين من المعنيين بالثقافة والتراث الإسلامي .. ولا ننسى أن هناك جالية إسلامية وعربية كبيرة في الولايات المتحدة الأمريكية تتعطش لهذا النمط من الثقافة الذي يسهم بترويجه إلى التعريف بالشخصية العربية والإسلامية بصفة عامة .. ويؤدي دوره في إرساء قواعد الحوار والتفاهم البناء المتبادل بين أفراد هذا المجتمع.

تعتمد الملحقية في تصميم قاعتها على عنصر المحاكاة الذي يعكس عالم الواقع ولايقلده .. بل يلجأ للنماذج والمجسمات التي تصوره وتقدمه للناس في صور إفتراضية غير حقيقية .. فتستدعي بذلك لغة الواقع دون أن تذهب إليه .

من أمثلة ذلك رحلة الحجيج وطوافه وأدائه لمناسك الحج وفريضته التي تعد الركن الخامس من أركان الإسلام تلبية لقوله سبحانه وتعالى: Ra bracket.pngوَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ Aya-27.pngLa bracket.png .. إذ تتيح هذه القاعة بما لديها من وسائل عرض مختلفة وتقنيات حديثة .. أن تطرح رحلة الحج وخطواتها كما لو انها تحدث أمام أعين الزائرين .. خطوة بخطوة .. بدءا من الإحرام ثم التوجه إلى مكة المكرمة لعمل طواف القدوم .. ومنها إلى منى لقضاء يوم التروية .. ومن بعدها إلى عرفة لقضاء يوم عرفة .. ثم رمي الجمرات .. فطواف الإفاضة .. ثم العودة إلى منى لقضاء أيام التشريق .. ثم إلى مكة مرة أخرى لعمل طواف الوداع ومغادرة الأماكن المقدسة.

هذه مجرد صورة من صور إستدعاء الواقع والمكان والحدث إلى الأرض الأمريكية .. في مناسبة وفرض من أهم الفروض الإسلامية وأكثرها جاذبية حول العالم ...

مواطن الجذب كثيرة في المملكة لا يمكن حصرها .. ولا يمكن نقلها إلا بذلك العالم الإفتراضي .. الذي لا يغفل حقائق الأمور ولا يتجاهلها .. بل يعمل على إبرازها وتجسيدها أمام الناس .

في باطن أرضها العتيقة .. تكتنز المملكة الكثير من الصور .. وفي صفحاتها الخالدة الكثير ومن القصص والحكايات التي لا بد ان تروى للعالم فيتعرف عليها الإنسان في كل مكان .

من هنا تنشأ الأجنحة وقاعات العرض وأدواته ووسائله الفنية والتكنولوجية المتطورة .. سوف توجد بالفعل في هذه القاعة .. أجنحة للتراث والثقافة والفنون في مناطق المملكة المختلفة .. وسوف توجد أيضا وسائل حديثة للعروض والأفلام الوثائقية والتاريخية كإستعراض ملوك المملكة وآثارهم.. وكذلك سوف يوجد فيلم وثائقي لصاحب هذه القاعة ومؤسسها .. فيلم عن خادم الحرمين الشريفين يحكي قصة التنوير التي عاشتها المملكة في عهده .. وطفرة التنمية التي عمت على البلاد بالخير في سنوات حكمه .. وفجرت ينابيع التطور والرخاء .. وأذكت الروح الوطنية في ضمير شعب أراد له قائده الإنطلاق .. فسار تحت قيادته مدعوما بالأمل والتفاؤل نحو مستقبل مشرق ..

سيتوفر في هذا المعرض زاوية للتعريف ببرنامج خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز للإبتعاث الخارجي وتطوره ودوره في تنمية القوى البشرية .. وسعيه الحثيث لربط العلم بالتنمية وبسوق العمل ... وعدم الإقتصار على مهة التعليم فقط في تنمية العقل السعودي والعمل على الإرتقاء بقدراته ومهاراته لإحداث نقلة نوعية في التواصل والتفاهم مع شعوب العالم .

يقول الدكتور محمد بن عبد الله العيسى الملحق الثقافي حول هذه القاعة بأنها دليل على عمق إيمان قيادة الوطن بأهمية التواصل الثقافي الانساني مع الشعوب .. وأنها بمثابة تأكيد على إمتلاك المملكة لإرث حضاري وانساني .. وأنها تعبر عن حاضر مزدهر يتعين على الأمم وشعوب العالم التعرف عليه .

من المتوقع أن ينتهي العمل بهذه القاعة وإن يتم تدشينها رسميا في شهر مايو ٢٠١٤ القادم .. وذلك بالتزامن مع تخريج الدفعة السابعة من برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي في الولايات المتحدة.

في وجود هذه القاعة .. لن يعتبر الزائرون للملحقية أن مهمتهم قد إنتهت .. وأن برنامجهم الذي اعدوه لهذه الزيارة قد شارف على الإنتهاء .. ما لم تتح لهم زيارة هذه القاعة .. هذا ما تسعى إليه الملحقية بالتحديد .. أن تكون هذه القاعة منطقة جذب ومركز إشعاع حقيقي لها وللمدينة من حولها .

هذا ما يحدث تقريبا في كل بلدان العالم عند زيارة متاحفها وقاعاتها ومعارضها الثقافية .. فمثل هذه القاعات والمتاحف هي التي تحدد هوية المدينة .. ودرجة ثرائها وقدرتها على الجذب والتواصل .

هناك متاحف شهيرة في العالم تحقق هذه الدرجة من الجاذبية .. ولن تكون قاعتنا أقلا منها حتى وإن كانت هذه المتاحف والقاعات من تلك التي أرست لها تاريخا لايمكن منافسته .. وشهرة لا يمكن المساومة عليها .. فغايتنا إن نتمسك بالجاذبية وبما نمتلكه من أدوات نقيس بها تاريخا وحضارة تحتاج لإلقاء الضوء عليها بل وتستحقه .

من هذه المتاحف مثلا متحف اللوفر Louvre في باريس الذي يجتذب إليه الآلاف من السائحين فقط للنظر إلى لوحة الموناليزا Mona Lisa فضلا عن الكنوز الأخرى التي تضمه .. وهناك الكثير من المتاحف والمعارض وقاعات العرض في نيويورك ولندن وروما التي تستجلب الكثير من الزائرين فقط لأنها تستوحي الفكرة التي تنطق بالجاذبية والقيمة الإنسانية الحضارية .. وهذا أيضا موجود ومتوفر لدينا .

ليس مهما حجم المتحف أو قاعاته .. بل من المهم أن نقدم تراثا حضاريا إنسانيا حقيقيا يتطلع الإنسان عليه .. هناك متاحف شهيرة عريقة جدا تضم بين مجموعاتها مكتشفات ومقتنيات لا تقدر بثمن وتماثيل من البرونز أو الرخام يعود طرازها للعصور القديمة .. قد لا يكون ذلك ممكنا تحقيقه أو التنافس عليه .. إلا من خلال جاذبية الفكرة وطريقة عرضها ونقلها إلى الواقع ومدى تأثيرها على الزائرين ...

لكننا سنلتزم حتما بكثير من قواعد التأثير التي تستخدمها مثل هذه المتاحف العريقة ... إذ لا بد لنا أن نعي جيدا أن هناك متاحف وقاعات تجعلك تشعر بالراحة حينما تزورها .. وأخرى تستفز عقلك وذكائك فتجعلك تشعر بأنك أذكى .. وهناك متاحف أو قاعات تقدم لك الطريق المثالي المؤثر للتعلم .. وهناك متاحف وقاعات تبنى كمراكز إشعاع حضارية وإنسانية في للمجتمع .. وهناك متاحف وقاعات ملهمة .. وأخرى تساعدك على إستحضار التغيير والتطور في المجتمعات ...

هناك متاحف تجتذب الناس لقضاء وقت طيب وممتع مع الأصدقاء والعائلات .. وهناك متاحف ربما تكون شريكك المجتمعي أو مسعاك التجاري ... وهناك أيضا متاحف تكون مجانية أحيانا .. لا تهدف للربح .. ولكنها تريد دعمك لكي تحتفظ بأبوابها مفتوحة أمام الجمهور ... وهناك متاحف وقاعات قريبة منك ومن قلبك فتستأثرك وتلح عليك لتكرار زيارتها .. ونحن نسعى أن تتشكل قاعة الملك عبد الله الثقافية بكل هذه المواصفات وأكثر .. يحدونا الأمل أن نحقق لها المكانة التي تستحقه .. قد يحكمنا حجم المكان .. ولكن تحكمنا الرسالة .. فغايتنا أن نصل .. وأن نثري موقعنا بثقافتنا وتراثنا .. وأن نحدث تواصلا إيجابيا حقيقيا مع أفراد المجتمع من حولنا ...

قد لا يحتاج الأمر إلى تشييد مبنى ضخم .. وقد يقتصر الأمر فقط على قاعة .. ولكنها قاعة ثرية بإسمها الذي نالته شرفا وتقديرا من خادم الحرمين الشريفين .. وغنية بكل مقتنياتها ومجموعاتها التي تسعى إلى تكوينها .. وبكل ما لديها وتمتلكه من أفكار إبداعية تحقق وجاهتها ودرجة تأثيرها في المجتمع .

تحديثات فيسبوك وتويتر