تمثل مراجعة الدراسات السابقة (Literature Review) نقطة مركزية في البحوث الأكاديمية، بل هي القاعدة الرئيسة لبناء جهد بحثي رصين. وهذا بلا شك يؤكد على أن الدراسات الاكاديمية لا تُبنى من فراغVacuum) ) وإنما هي عملية معرفية تراكمية تنطلق من جهود الباحثين السابقين وغايتها تحقيق تقدم وإضافة للمعرفة الإنسانية المنجزة (Contribution to Knowledge).

الدراسات السابقة ذاتها عادة ما تظهر في صورةٍ منشورةٍ كالمقالات (Articles) التي تنشرها المجلات العلمية المحكمة (Journals) أو غير منشورة كالأوراق والدراسات التي تعرض وتنشر في سجلات المؤتمرات العلمية (Conference Papers) أو الرسائل العلمية المجازة من الجامعات (Theses/Dissertation).

وهذا يعني، أن الهدف العام للبحوث الأكاديمية الرصينة هو تطوير وتقدم المعرفة الإنسانية وهو يختلف تماما عن الغاية التي ترمي إليها الصور الأخرى من البحث وأعني هنا بالتحديد التقارير والدراسات الاستشارية، حيث تسعى هذه الأخيرة إلى تحقيق أهداف وغايات محددة غير عابئة بمدى الإضافة الى المعرفة أو تطوير النظريات العلمية أو تقييم المنجز الإنساني في مجال معرفي معين.

من أبرز ما يميز مراجعة الدراسات السابقة أنها تمكّن الباحث من الوصول لما يسمى بالفجوة المعرفية  (Gap of Knowledge) أو بعبارة موجزة تفتح له المجال لمعرفة الثغرات أو الجوانب التي لم يسبق تناولها أو مناقشتها من قبل الباحثين الآخرين وهي بحاجة ماسة لمساهمة الباحث (Contribution) لإضافة حلول جديدة (إن كانت الدراسة تعالج مشكلة معينة) أو طرح بدائل لحلول موجودة أو تفسير لغموض أو اكتشاف لمؤثرات جديدة لعلاقات قائمة.

المقدمة السابقة تُلمح إلى المكانة البارزة لمراجعة الدراسات السابقة باعتبارها منطلق البحوث الاكاديمية وكونها قاعدة مهمة لبناء أي دراسة علمية – سواءً كانت نظرية (Theoretical) أو تطبيقية (Empirical) – وفي مختلف التخصصات. هذه المراجعة ليست كما تُترجم أحياناً إلى اللغة العربية بأنها استعراض لجهود الباحثين السابقين في مجال بحثي محدد وإنما هي في الحقيقة مراجعة نقدية شاملة لجهودهم وتقييم لنتائجهم وتحليل عميق لتفسيراتهم لهذه النتائج.

وهذا يشير بجلاء إلى أن هذه المراجعة هي عماد الدراسة وركنها الأهم وهي مقياس حقيقي لمهارات الباحث وإمكانياته وقدراته. أضف إلى ذلك أنه لا بد أن تكون أهداف دراسته نابعة مما انتهى إليه من تحديد الفجوة المعرفية، ولابد أن يتم تصميم أسئلة الدراسة أو فرضياتها – أو هما معاً حسب طبيعة الدراسة وأهدافها- وفقاً لأهدافها، ومن الضرورة أيضاً أن تكون أهمية الدراسة تجسيداً لدور الدراسة في ملء الفراغ المعرفي الذي قرره الباحث.

ولعله من الواضح أن هذه المراجعة هي جهدٌ شاقٌ وعملٌ مرهقٌ وتحدي مضني للباحث. هذا الجهد يعكس في حقيقته مدى إلمام الباحث بالمنجز السابق وسياقاته المتعددة، ومدى قدرته على مناقشته بجدارة، كما يمثل صورة واقعية لشخصية الباحث ومدى حياديته تجاه أفكار الآخرين، والأكثر أهمية من ذلك أنه يُبرِزُ أثر هذه التجربة – القراءة الواسعة- في رؤية الباحث ووعيه بالقضية الأساسية للبحث التي تصبح أكثر وضوحا مع طول فترة القراءة والمتابعة المستمرة للأبحاث والدراسات الحديثة في مجال التخصص. والنقطة الأخيرة تفسر التحول الذي يظهر على الباحث بين المراحل الأولية عند إعداد مشروع الدراسة والمراحل النهائية له كتحليل ومناقشة النتائج.

في الدراسات التي تتبنى المنهج الكمي (Quantitative Method)، على سبيل المثال، يُنصح الباحثُ أن يظهر الفجوة المعرفية التي توصل إليها من مراجعة الدراسات السابقة في شكل رسم أو إطار مفاهيمي (Conceptual Framework) لتبسيط العلاقات أو القضية المدروسة مبرزاً المتغيرات التابعة (Dependant Variables) والمتغيرات المستقلة (Independent Variables) وأحياناً المتدخلة أو الوسيطة (Intervening Variables) واتجاه ونوع وقوة العلاقات فيما بينها والجانب أو الجوانب التي سيضيفها أو يسعى لكشفها. هذا الإطار المفاهيمي يلخص جهود الباحث في تقليص الفجوة المعرفية والإضافة التي يهدف الى إنجازها.

 مثال للإطار المفاهيمي لعلاقة الثقافة التنظيمية بالعديد من المتغيرات التنظيمية

 إن أهمية الدراسات السابقة لا تقتصر على دورها في بناء وتكوين البحث وخطته في المراحل الأولية بل تتعدى ذلك إلى دورها المحوري في الفصول النهائية للدراسة حيث تلبي حاجة الباحث في ايضاح وتفسير ما يعترضه من نتائج قد لا تكون منطقية أو واقعية لرؤيته. إن هذه النقطة الجوهرية في البحث العلمي – وأعني مقارنة نتائج الدراسة بنتائج الدراسات السابقة التي عادة ما يخصص لها مبحث مستقل في نهاية البحث يسمى المناقشة (Discussion)– تعد خلاصة المساهمة التي أضافها الباحث لموضوع الدراسة وتعكس قدرته على تبرير موقفه من نتائج الدراسات السابقة وما يمتلكه من أدلة وبراهين تعزز رأيه في تأييد ودعم أو نقض ودحض النظريات السابقة.

إذّ، العمل البحثي نشاط ممنهج وبناء مترابط يسعى لغاية محددة ولأهداف واضحة ويتبنى أساليب علمية دقيقة للوصول الى الحقيقة وللإسهام في تنمية المعرفة وتوسيع آفاقها. وهو في الوقت ذاته ممارسة حقيقية للتقريب بين النظرية والتطبيق وللوصول الى حلول منطقية لإشكالات الواقع المتجددة.

جدير بالذكر أن هذا المبحث – مراجعة الدرسات السابقة- يلقى اهتماما ملحوظا من الكثير من مراجعي المقالات العلمية (Peer Review) المقدمة للمجلات العلمية المحكمة ومن مناقشي الرسائل العلمية بالجامعات (Internal and External Examiners)، فهو كما تم الإشارة منطلق بقية إجراءات الدراسة وعمودها الفقري.

 

ختاماً، بشكل مجمل يمكن تركيز أهمية مراجعة الدراسات السابقة في النقاط التالية:

 

  • -        اكتشاف الفجوة المعرفية: تساهم في تزويد الباحث بالجوانب التي نالت اهتمام الباحثين السابقين، وبالتالي تيسر له التركيز على جوانب أخرى لم تحض بالاهتمام الكافي.
  • -        التعلم من خبرة الآخرين: عادة ما يشير الباحثون إلى الصعوبات والمعوقات التي واجهتهم أثناء إجراء دراساتهم وهذا بحد ذاته مجال واسع لتعلم الباحث من أخطاء الآخرين لتجنبها وللإستفادة من تجاربهم البحثية.
  • -        نافذة لتحديد مدى أهمية الدراسة: إن تحديد الإضافات العلمية التي ساهمت بها الدراسات السابقة تجعل من الباحث أكثر قدرة على إدراك وتقييم مدى أهمية دراسته ذاتها. بعبارة أخرى، إن قدرة الباحث على تجاوز ما قدمه الآخرون أو تطويره يجعل من الباحث أكثر ثقة بالقيمة العلمية والمعرفية للدراسة ذاتها.
  • -        عاملا رئيسا في تطوير أسئلة الدراسة: المراجعة الشاملة والواعية للدراسات السابقة تمهد للباحث إدراك تجارب الآخرين في كيفية بناء البحوث وهذا بدوره يعمّق لديه القدرة على إعادة النظر في محاور دراسته وبشكل أدق في تقييم أسئلتها ومن ثم إعادة صياغتها وتطويرها.
  •  -        مصدرا مهما لتفسير النتائج: نتيجة للمعايشة المستمرة لمراحل تطور الدراسة فإن الباحث يعتبر أكثر قربا للدراسة ذاتها من غيره – حتى من المشرف الاكاديمي على الدراسة-، ومع ذلك فهو بحاجة لتفسير ما يواجهه من غموض في نتيجة أو نتائج معينة. هنا تبدو آراء الباحثين السابقين وتعليقاتهم لمعالجة المواقف المشابهة دعامة مهمة ومصدرا لفك الغموض وحل العلاقات المتشابكة. 

 

بقلم : عبدالله بن مداري الحربي

مبتعث لدراسة درجة الدكتوراة بجامعة Hull ببريطانيا

محاضر بقسم إدارة الأعمال/جامعة الطائف

          a_medari_alharbi@hotmail.com            

 

تحديثات فيسبوك وتويتر