بقلم : يوسف النملة

قرأت مقالة للكاتبة مالاري تينور Mallary Tenoreنشرته في صحيفة بوينتر Poynter newsفي السادس من سبتمبر لعام ٢٠١٢ ذكرتْ فيه بإيجاز عشرة أساليب بلاغية جعلت من خطابات الرئيس السابق بيل كلنتون السياسية تحديدًا أكثر تأثيرًا في نفوس المستمعين والمشاهدين، وبعد ترجمة المقالة أقدمها هنا بصورة أكثر إيجازًا مع إضافات وتعليقات يسيرة، وكذلك مع أمثلة واقتباسات من خطابات كلينتون خصوصًا خطابه الأخير في حملة أوباما الإنتخابية. 

 

إضافة إلى الكارزما العالية الظاهرة على شخصية بيل كلنتون، وإضافة إلى المعرفة والخبرة التي ينطلق منهما كلينتون في خطاباته وكلماته، ثمة أساليب لغوية جعلت من حديث كلينتون أكثر تميزًا، وبعيدًا عن مقارنة هذه الأساليب بأساليب البلاغة المعروفة في اللغة العربية الأكثر تألّقًا يمكن تلخيص ما يفعله كلينتون بما يلي: 

 

أولاً/ المقارنة 

حيث يعمد كلينتون إلى تقوية خطاباته بعمل مقارنات تعزز أفكاره وتجعلها الخيار الأنسب من بين الخيارات المطروحة. استخدم كلينتون هذا الأسلوب في خطابه الأخير أثناء حملة أوباما الانتخابية وشدد على المقارنة بين خيارات الديموقراطيين الأنسب في نظره وخيارات الجمهوريين الأقل تحقيقًا لما يتطلّع إليه الشعب الأمريكي. 

الرئيس السابق كلنتون يتوسع أيضًا في أسلوب المقارنة فيقارن مثلاً بين مظهر ومخبر الرئيس أوباما بقوله: "أرشّح لكم رجلاً قد يبدو  لكم هادئًا ومرحًا ولكنه يحترق في داخله من أجل أمريكا". 

 

ثانيًا/ تكرار الكلمات والعبارات لتأكيد معناها وجعله أسهل تذكرًا

وهذا بيّنٌ في خطابات كلينتون حيث يكثر من تكرار كلمات (لزمات) معينة لتأكيد المقصود في ذهن المتلقي. 

مثال ذلك حين قال: " أحد الأسباب الرئيسة  التي تجبرنا على إعادة انتخاب الرئيس أوباما هو أنه لا يزال متعهدًا لبناء التعاون، انظروا إلى سجلّه، انظروا إلى سجلّه" وهذه العبارة المتكررة يقصد منها معان متعددة يفهمها من يعرف تاريخ منافس أوباما في الانتخابات الأخيرة ولعل من تلك المعاني أن سجل أوباما حافل بالأكاديمية والعمل السياسي وأربع سنوات من كونه رئيسًا للولايات المتحدة في حين أن منافسه بطبيعة الحال لم يكن يمتلك كل ذلك. 

 

ثالثًا/ استعمال اللغة الضمنية الشاملة

التي يحاول فيها احتواء المتلقين ووضعهم في صفّه بأسلوب غير مباشر. ومن ذلك استخدام كلينتون لضمائر الجمع للمتكلم مثل "نحن" و "لنا" وعبارة "في هذه القضية نحن كلنا متفقون على كذا وكذا" و تكرار عبارة "My fellow Americans"  التي يقصد بها رفقائي أو أصحابي الأمريكان، ومن تمعّن في هذه العبارة تحديدًا وجد أنها تحتوي على أدبٍ في الخطاب بإشعار المتلقى أنه هو والمتحدث في منزلة واحدة كما ذكرتْ بعض القواميس مثل أكسفورد وغيره. 

 

رابعًا/ استخدام قانون الثلاثة

إضافة إلى شيوع الرقم ثلاثة في تناول القضايا وتعداد الأشياء، يُقال إن وقع الرقم ثلاثة على ذهن المتلقى أقوى من غيره، فإذا أردنا مثلاً بيان أسباب مشكلةٍ ما وقلنا: هناك ثلاثة أسباب رئيسة لذلك، فإن ذهن المستمع ينشط أكثر للاستماع من لو قلنا: هناك سببان أو أربعة أسباب. وهذا أحد أسرار الرقم ثلاثة. 

وكذلك قال بعض من كتب عن الرقم ثلاثة أنه أقل الأرقام التي يمكن استعمالها لتكوين عينة أو نموذج ما بإيجاز مما يجعل ذلك النموذج قابلاً للتذكر وعدم النسيان. 

ويمكن أن نمثّل لما قاله كلنتون مستخدًما قانون الثلاثة بقوله في خطابه أثناء الحملة الانتخابية لأوباما: "الآن، هل نحن في المكان الذي نريده اليوم؟ لا. هل الرئيس راضي عن ذلك؟ بالطبع لا. لكن هل نحن الآن أفضل حالًا عما كنا عليه حين تولّى الرئيس منصبه؟ الجواب نعم" ولعلك تلحظ أيها القارئ الكريم كيف استعمل كلينتون قانون الثلاثة هنا وقسم القضية لثلاثة أجزاء مقدمتين ونتيجة ليصل لمراده. 

 

خامسًا/ المفردة القوية 

بعض الكلمات قد يكون لها وزن أكثر حين تكون منفردة وتُلقى بأسلوب ذكي. 

كلمة "صفر" مثلاً كانت واضحة في خطابات كلينتون لأنه كان يقف قليلاً قبل النطق بها لتشويق السامع ثم يقولها، بل ويكررها. مثال ذلك حينما قال: "خذوا مثال آخر، هناك علامة أو نتيجة للوظائف: أوباما ٢٥٠,٠٠٠ بينما رومني صفر". 

 

سادسًا/ الطرفة والفكاهة

ويستخدمها كلينتون بقدر محدود لتخفيف حدة الموضوع أحيانًا ولتأكيد ما يقوله أحيانًا أخرى. 

 

سابعًا/ اللغة التعليمية التوجيهية

من المناسب للمتحدث خصوصًا في الحديث الطويل أن يستخدم لغة تعليمية كأن يأمر مستمعيه بالإنصات له و يكرر ذلك وهذا ما يفعله كلينتون باستمرار. مثل هذا الأسلوب يفيد خصوصًا للمتابعين خلال التلفاز. يستعمل كلينتون أحيانًا كلمات مثل:

"أريدكم أن تستمعوا لي ..."

"استمعوا الآن ..."

"اخيرًا، انتبهوا لهذه النقطة ..."

 

ثامنًا/ اللغة التفسيرية التوضيحية

مثل اللغة الصحافية التوضيحية كلينتون يجعل من الموضوعات المعقدة مثل إصلاح النظام الصحي الأمريكي سهلة الفهم، ويستخدم عبارات مثل:" ما حدث بالتحديد هو ..." ثم يعرضها بأسلوب يفهمه الجميع تقريبًا. ومثلها أيضًا يقول كلينتون: "والآن، ماذا يعني هذا؟ ماذا يعني هذا؟ فكروا فيه. إنه يعني أنه لن يستطيع أي شخص ..." المقصود هنا هو توضيح الأفكار المعقدة قدر الإمكان حتى يغلب على الظن أن الجميع سيفهمها ولا شك أن اللغة تلعب الدور الأساس في ذلك وكذلك من المفيد هنا عدم التفصيل وذكر كل ما يتعلق بالقضية، فقط يُقدم المتحدث رسالته الأصلية بأسلوب واضح جدًا. 

 

تاسعًا/ السؤال والجواب

كلينتون لا يثير التساؤلات ويتركها معلّقة دون إجابات، بل يجيب عليها. والملاحظ عليه أنه يكثر من سؤال "لماذا" الذي يعقبه جواب يحمل الثقة والأمل مثل أن يقول:

"والآن، لماذا هذه هي الحقيقة التي يجب قبولها؟ لماذا العمل التعاوني أفضل من الاختلاف المستمر؟ لأنه لا يمكن أن يكون أحد على صواب كل الوقت، وحتى الساعة التي لا تعمل تكون على صواب مرتين في اليوم" 

 

عاشرًا وأخيرًا/ الخاتمة

الكتّاب المهرة يربطون خاتمة الموضوع بأوله حين يريدون الانتهاء، وكلينتون يبدأ خطابه بعبارة: "أنا أريد" ويختمه بـ"إذا أنتم تريدون ...". وأحيانًا يعيد ما بدأه من معانٍ في نهاية حديثه للتأكيد وذلك واضح حينما قال عن أوباما في بداية حديثه: "إنه رجل يحترق من الداخل من أجل أمريكا" وأعاد معنى له ارتباط بالاحتراق في خاتمة كلمته فقال: "لقد وصلنا من خلال الاحتراق (ولعله يقصد التمحيص) إلى من هو أقوى وأفضل" يقصد أوباما. 

 

هذا ما أردت تقديمه حول هذه الأساليب الخطابية التي تفيد المتحدث بلا شك وإن كان يصعب تطبيقها كلها في خطاب واحد ولكن استخدام أكثرها أو بعضها يحسّن من مستوى حديثنا. 

 

شكرًا جزيلاً