بقلم : ميادة زعزوع

 في مثل هذا الشهر قبل عامين ولجت إلى هذه الديار التي لم أكن أعرف فيها أيّ شيء سوى أنها ستصل بي إلى حلمي الذي لطالما حلمتُ به .. حرف " الدال " عملاً وعلماً .. أتذكر تماماً جلوسي على مقعد الطائرة لتعبئة نموذج ال I-94لدخول الولايات المتحدة ، وكيف كان عبارة عن حرز مطلسم لا ناقة لي بما فيه ولا جمل سوى Name, passport, address, phone! وكيف كان عليّ أن أشرح ما أنا عليه قبل عبور بوابة الحلم لدى موظف التفتيش .. أنا التي عندما انهيت استبيان طلب الفيزا لأمريكا عرّفت زوجي  الواقف إلى جانبي بـ My waif ..!

 

لم تكن تحضيراتي تنصب على أن أبقى في واشنطن أبداً ، بل كنت مستعدة وقارئة التهمت كل معلومات السكن والدراسة والمواصلات والترفيه في مدينة منسي بولاية انديانا .. حتى جاء القرار الحاسم بأن أبقى فهنالك أبواب ستفتح أمامي من دون أن أعلم ، وفجأة بقيت ! .. بقيت ويديّ على قلبي ، أنا التي لا تملك إلا 1800 دولارا- بسبب نقص في أوراق ضم المحرم كمرافق- للعيش في مدينة يبلغ متوسط السكن فيها 1500 دولار .. مصير مجهول ، خطوات مرتبكة ، تجارب صادمة ، 10 أيام من الضياع المفيد حتى وجدنا غرفة نتقاسمها مع عائلة أفغانية مسلمة .. أصبحت بعد ذلك عائلة لنا في أمريكا للدرجة التي عرضوا علينا فيها البقاء بلا مقابل على أن ننتقل إلى سكن آخر بعد أن فهمنا طابع الحياة خلال 4 أشهر !

كنت أستيقظ في الصباح الباكر ، لأمشي حتى ناصية الشارع وآخذ سيارة الأجرة إلى المعد الذي يبعد 8 أميال عن منزلنا ، لم أكن أعرف كيف تطلب هذه السيارة لأني كنت أحمل ورقة أعطيها لسائق سيارة الأجرة لأصل لمنزلي لصعوبة نطق اسم الشارع !! وشيئا ًفشيئاً ، أصبحت وسائل المواصلات العامة متعة لي ، أستطيع استخدام الباصات و القطارات وسيارات الأجرة والمشي بكل سلاله .. كنت كالطفل الذي بدأ بالنمو وإدراك العالم ومحاولة اللحاق بتفاصيلة الجديدة واستيعابها والتعايش معها .. أكثر ما يؤلم في البدايات أن تتشابه عليك الأشياء فلا تدرك أيّها الصحيح وأيّها القاتل ومن أخطائي كنت أشعر بالموت من فرط اليأس ولكن ملاك الأمل لا ينام !

بعد انتقالنا من المنزل ، قررت زيارة الملحقية بعد الزيارة الأولى ، قررت أن أمدّ يدي .. علّ أحد العاملين عليها يمسك بي قبل أن أسقط ويموت ملاك الأمل بلا حياة .. فكانت اللفتة الأولى والبسمة الأولى والكلمة الأولى من الدكتور محمد العيسى " أهلاً بيكي يابنتي .. نتشرف بأمثالك من الطلبة " وكانت الكلمة الثانية من الدكتورة موضي " بالعكس احنا نبغى زيك وكنا ندور للايفنت اليّ راح " فطوقت بهالة نورانية لم يخفت وهجها حتى اللحظة ، ولازالت هاتين الكلمتين تطرقا أذني مع كل أزّة يأس لينبع أملي من جديد .. خصوصا بعد أن منحت شرف أن أكون عضوة في لجنة الدعم والمساندة للاندية الأدبية ذلك العام وشرف كتابة سجل الطلبة المتميزين العام الحالي .

لا أخفيكم .. كنت أودّ الكتابة لكنها باتت شبحاً بالنسبة لي منذ وصلت بعد أن كانت مغتسلا بارداً من الحياة ومنعطفاتها .. كنت أود أن أكون أحد المحررين في المبتعث ولكنّي لم أكن بسبب صومي العربيّ وانشغالي بدراسة اللغة !كان يومي طويلاً .. فارغاً إلا من استكشاف المنطقة وما فيها من معالم جديدة وعوالم لم أتآلف معها من قبل .. حتى ذهبت يوماً ما إلى أحد المطاعم العربية وصادفت لوجو إحدى قنوات التلفزيون السعودي .. وراودني الحنين .. مضت 6 أشهر ولم أقف أمام مثل هذه الكاميرا ولم أتأبط هذا المايكروفون – صديقي اللعين – سألت المصور عن أمكانية العمل .. أيّ عمل .. إعداد ، تقديم ، مونتاج ، تصوير .. ووعدني خيرا واتفقنا بعد يومين أن أكون مراسلة للقناة الثقافية التي إجتزت امتحانها وأصبحت مراسلة لها من واشنطن حتى اللحظة !

وبالعودة إلى كابوس اللغة .. لا استطيع تصديقي ولا ما أنا عليه الآن .. بعد 3 انتقالات بين معاهد مختلفة استطعت أن أسيطر على شبحها وأجتاز متطلب الجامعات للحصول على قبول أكاديمي! ومن يصدق أن هذه الطفلة التي جاءءت تلثغ في عنوان بيتها استطاعت أن تفعلها رغم عقدتها منذ الطفولة من اللغة الانجليزية بسبب معلمتها في الصفوف الابتدائية والتي بسببها طلبت البعثة الدراسية إلى الصين .. ثم غيّرتها إلى فرنسا .. وبالنهاية قرّرت التحدي وكلّي أمل في التمكن من اللغة الأنجليزية !

هكذا هي طرق الحلم ، دائماً ما تجيء محفوفة بالصعاب ، بالأخطاء ، بالمخاطر .. ولكن ابتسامة الرضا ، الرضا الكامل بكل التفاصيل التي وقعت صحيحة كانت أم خاطئة هي خير إثبات للنجاح .. والآن ، وأنا على بعد خطوة من دراستي الأكاديمية الفصل القادم .. أتنفس الصعداء وانادي بأعلى صوت شكرا .. لكل يد امتدت لأكون ، لكل يأس أثبت لي قوتي على تجاوزه ، لكل أمل رافقني وقاوم معي حتى النهاية .. ولا يفوتني أن أخبركم بهمسة هي خلاصة تجربة عامين من المحاولات المستميتة لوصول الهدف .. اصنع حلمك وانظر اليه حتى يكون ، أغلق أذنك عن أصوات الناس واسمع صوت قلبك ودلائل ربك ، فلن تصل إلى الأمان إلا وحدك .. لأنك الوحيد الذي بيده الفرق وقرار صناعته ..

تحديثات فيسبوك وتويتر