بقلم: أماني سعد الناجم

اكاد أرى ذلك اليوم وكأنه الأمس .. اكاد أسمع رنين هاتفي الخلوي يحمل بشارة انضمامي للبعثة .. اكاد أتذكر تفاصيل غابت في تلافيف عقلي ولكني لم انسها يوما من فرقة الأهل و مشاق السفر والبحث عن مسكن ..  واكاد ارى نفسي صغيرة في عالم كبير لا اعرف فيه ابا ولا جارا ولا عزوة ولا لغة تذيل لي الصعاب.

 

 لكني هنا في أمريكا من اجل حلم كبير بذره وسقاه ورعاه ملك احب شعبه فأكرمه ورعاه ليجعل من احلامنا حقيقة.. في ايامنا الأولى ابهرتنا امريكا وابهرنا التطور والبنيان والغابات والثلوج وبدأنا نقارنها بوطننا الغالي ولكن الجمال لا يدوم وماهي الا اشهرا  و قتلنا شوقنا للوطن ونخيل الوطن وصحراء الوطن وجمال الوطن والقهوة العربية والأكثر حرقة شوقنا لسماع صوت الآذان .. قتلنا شوقنا لأمور لا نكاد نتصور يوما ان نشتاق اليها كالأكلات الوطنية الشعبية.

 نعم يا وطني .. كم مرت علينا اياما شعرنا فيها بتقزم امام اللغة الإنجليزية .. وشعرنا فيها بالإحباط والهزيمة .. لكننا لم نيأس .. لأننا لايمكن لنا بأي حال من الأحوال ان  نخذل من آمن بنا وبقدراتنا ومنحنا هذه الفرصة التي يحسدنا عليها الكثير.

 نعم عانينا من اجلك يا وطن .. اخترنا تخصصات دقيقة من اجل ان ننهض بالبلد.. تعلمنا هنا قيمة الوطن وتعلمنا كيف يساعد بعضنا البعض وكيف نقف جنبا الى جنب لكل من يحتاج الينا من المبتعثين .. ادركنا ان لدينا اخوة يريدون المساعده عبر الفيس بوك وتوتير والمنتديات لاننا جميعا ندرك الأمانة الموكلة الينا .. وجميعنا نريد ان نجتازها بنجاح .. تعلمنا في امريكا أن إختلاف الثقافات لا تعني أن من يخالفني الرأي عدوي ..  تعلمنا ان العمل الشريف مهما كانت طبيعته .. لا يهين المرء بل ينضجه اجتماعيا.. وحرصنا على هويتنا الإسلامية واخلاقنا المحمدية التي هي المعين الوحيد لتغيير نظرة الإعلام السلبية لنا .. والأعجب اننا تعلمنا عادات اخواننا السعوديين بإختلاف مناطقهم سواء كانوا من اهل الشمال او الجنوب اوالشرقية او الغربية او من سكان الرياض .. فحدث تكيفا ثقافيا ذابت على اثرها العنصرية القبلية والمناطقية.. فجميعنا ابناء الوطن وجميعنا منحنا الفرصة ذاتها من والدنا الغالي لخدمة الوطن.

  واليوم وبعد ان اشقاني الإنتظار .. ارى نفسي  وقد ارتديت عباءة التخرج في لحظة انتظرتها طويلا .. لكني ارتديها اليوم وكأني و زميلاتي عرائس للوطن .. انه الإحساس ذاته والفرحة ذاتها.. فكثير هم من خاطوا عباءة التخرج وجعلوني ارتديها مزهوة بها .. فمن عساي ان اشكر بعد الله!

 اشكر امي فلولاها ولولا دعاؤها ومواساتها  لي في لحظات ضعفي وكفكفتها لدموعي المشتاقة لحضنها ما كنت هنا .. اشكر والدي فلولا حرصه علي  ووقوفه بجانبي متجاهلا اعداء النجاح وممسكا بيدي ماكنت هنا .. اشكر زوجي فمجيئه معي علمني ان ليس كل وراء رجل عظيم امرأة فقط .. فوراء كل امرأة عظيمة رجل محب معطاء متفاني بغض النظر عن بعض مسؤولياتي كزوجة وام .. كان دائما وراء حلمي كي يتحقق.

 وممسك الشكر والعرفان لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله الذي جعل من المستحيل حقيقة، حفظه الله من كل مكروه ..  وجعل كل مال انفقه في سبيل تعليمنا حجة له لا حجة عليه. وبسط الله له خير الدنيا واتممها عليه بجنة فردوس عرضها السماوات والأرض.

  وما توفقينا الا بالله الذي حفظناه في الغربة فحفظنا من كل مصائب الغربة .. و ما توفيقنا الا بالله الذي سخر لنا إناسا نستند عليهم عند الحاجة ونحن لم نكن نعلمهم لكن الله يعلمهم ويعلم حاجتنا اليهم فجعلهم في طريقنا .. وما توفيقنا الا بالله الذي يسر لنا امور ظننا في لحظة جهل انها لن تيسر .. ورزقنا طمأنينة في ايام اشقانا ظلمة ليل مغفر.. وما توفيقنا الا بالله الذي استودعناه حياتنا وامانينا واحلامنا وصحتنا وابنائنا و اموالنا فحفظها لنا وبحفظه اهدينا. فالحمد الله الذي لا اله الا هو نجدد ايماننا ويقيننا ان لاعزة الا بالاسلام ولا عزة الا بوطن يحكم شرع الله ويحفظ الرحمن.

 

بقلم: أماني سعد الناجم

خريجة من الدفعة السادسة للمبتعثين في أمريكا

ماجستير مناهج وطرق تدريس من جامعة تكساس التكنولوجية Texas Tech University

 

تحديثات فيسبوك وتويتر