كنت أعلم ان الملحقية الثقافية قد إعتادت في كل عام الإحتفال بالمبتعثين من الخريجين والخريجات .. وعندما التحقت بقسم الشؤون الثقافية والإجتماعية اوضحت لي زميلتي الأستاذة هدير عبدو المهام التي يقوم بها المشرف الثقافي ومنها التحضير لحفل التخرج وما يصاحبه من فعاليات وأهمها معرض يوم المهنة.

 

كنت اتصور انه مجرد تحضير عادي وإعداد تقليدي لا يختلف كثيرا عن التحضير والتنظيم لإي لقاء او مؤتمر وهو ما تخصصت فيه بالفعل وكانت أول تجربة لي على هذا النحو بالملحقية المشاركة في تنظيم الإجتماع السنوي لرؤساء الأندية الطلابية الذي عقد في شهر فبراير 2013 الماضي وكان عدد الطلاب كبيرا و كانت التحضيرات تحتاج لكثير من التقاصيل بداية من إعداد البرنامج وحجوزات الفنادق وتسجيل الطلاب و الرد على استفساراتهم ومتابعة مواعيد وصولهم واقامتهم .. وأعترف انني قد وجدت نشاطا غير عادي وتجربة جديدة تختلف عما إعتدت عليه من قبل ...  وكان إهتمامي بهذه التجربة مدعاة للتندر من قبل زملائي .. كانو يقولون لي : ( اصبري هو انتي لسة شوفتي حاجة) .. كانوا يتحدثون عن مناسبة أكبر من هذا الإجتماع .. وكنت أتساءل حينها : ما الفرق إذن بين هذا وذاك ... لماذا يحكون عن حفل التخرج وفعالياته بهذا القدر من الإهتمام الذي يثير التوتر والضغط العصبي ؟! .

وحانت اللحظة وأزف موعد الإحتفال بالدفعة السادسة لخريجي خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز للإبتعاث الخارجي بالمثول أمام عيني يوم أن ذهبت لأول مرة لزيارة الفندق الذي سيقام فيه الحفل .. كنت في هذه الزيارة أرافق الدكتورة موضي الخلف مساعد الملحق للشؤون الثقافية والاجتماعية أو كما أحب أن اسميها ( ام العروسة) .. وهي أم العروسة بالفعل .. هكذا ظهرت لي وتجسدت أمام عيني وهي  تتابع عن كثب كل التفاصيل وكل المسؤوليات تماما كأم العروسة التي تريد ان تزف ابنتها وهي في كامل حلتها وجمالها .. في هذة الزيارة تعرفت على فريق العمل بالفندق وعلى الطرف الآخر المشارك بالتنظيم ... كانت هي المره الأولى التي تتبادر إلى مسامعي أعداد الخريجين الضخمة  والتحضيرات الهائلة اللازمة لإستيعابهم وطريقة تنفيذ هذه الفعاليات بكل دقة ... كنت أتابع ذلك بدقة بينما أخذتنا الموظفة المسؤولة عن العلاقات العامة في جولة حول الفندق وقاعاته وإمكانياته المتنوعة .. عندئذ فهمت حجم الحفل واهميته وحجم العمل الذي ينتظرنا.

ليس سهلا أن تعود من هذه الزيارة دون أن تفكر بعمق فيما ينبغي أن تكون عليه مهمتي في هذا الحدث .. ترى ماذا يكون دوري ؟ .. وماهي المهام التي سأقوم بها في هذا الحفل ؟ .. كثيرا ما بادرت الدكتورة موضي الخلف بهذا السؤال التقليدي الذي أخذ يتردد كثيرا في نفسي .. ما هي المهام التي سأتولاها في الحفل ؟ .. لم أترك الدكتورة موضي وشأنها رغم الإنشغال والعمل الذي لا ينقطع .. كنت ادخل إلي مكتبها و أسالها: (دكتورة حضرتك مش حتقوليلي انا حعمل اية في حفل التخرج ؟ ) .. كانت تبتسم بهدوء وتقول لي : لا تستعجلين .. سيكون لديك الكثير تقومين به .. تكرر ذلك أكثر من مرة وفي كل مرة اسمع نفس الإجابة ... كان ذلك يملؤني  بالنشاط والحماس والحيوية للحظات ثم اعود من جديد لهذا الإحساس وهذا التساؤل .. ترى ماهي مهمتي في هذا الحفل .. أنه نوع من التحدي الذي يرافقني في كل عمل جاد أتأهب للقيام به ... خاصة تلك الأعمال التي تتميز بروح الفريق واللغة التطوعية والإصرار على النجاح.

جاء شهر ابريل .. فإزدادت وتيرة العمل وتصاعدت ... وكثرت اسئلة الطلاب والخريجين وإستفسارهم كل في شأنه .. منهم من الخريجين الذين كانوا يستفسرون عن اشياء كثيرة متعلقة بالحفل ومعرض يوم المهنة والتذاكر والحجز في الفندق وبرنامج الحفل والمشاركة فيه والروب الجامعي وخلافه .. ومنهم الطلاب الذين كانوا يستفسرون عن التطوع ويعرضون خدماتهم للمشاركة فيه .. إزداد عدد الطلاب الراغبين في التطوع إلى درجة كبيرة كانت تثير إستغرابي ودهشتي وتساؤلي الدائم .. لماذا كل هذا العدد من المتطوعين ... ولماذا يرغبون في التطوع .. وماذا سيقدمون فيه ؟!! .

ذات يوم إستدعتني الدكتورة موضي مع زملائي نيفين، هدير و سلفاتوري للإجتماع في مكتبها .. فذهبنا وفي يد كل منا كراسة صغيرة .. وبدأ الاجتماع وحانت ساعة العمل ... المهام التي كانت تسردها لنا وتحدد فيها دور كل واحد منا لم تكن بالقطع سهلة أو يسيرة .. كان الموضوع كبيرا جدا .. بل اكبر مما كنت اتصور .. في هذا الإجتماع أسندت لكل منا مهمة ومسؤولية بكامل نقاطها وتفاصيلها .. لم تترك الدكتورة موضي في عرضها لنا أي فرصة للظروف .. كل شيئ كان مرتب ومدقق وجاهز للتنفيذ .. ومن هذا الإجتماع بدأ العد التنازلي .

 

كنا نجلس بالملحقية لساعات عمل أطول مليئة بالجد والجهد والعمل الشاق بعد نهاية الدوام لكنها في نفس الوقت لم تكن تخلو من بعض المواقف الطريفة والذكريات الجميلة التي مررت بها مع زملائي في القسم ... ومنها لحظات إنقطاع التيار الكهربي في الطرقات و الممرات .. كان يشاركنا استاذي الاستاذ محمد معاطي اوقات العمل الإضافية وكان يقوم بالاطمئنان علينا بين الحين والآخر ..  كان هناك تواصل مستمر فيما بيننا وكانت روح الفريق عالية تماما .. كنا نتصل بعضنا ببعض عند  تذكر نقطة مهمة أو طرح رأي هام .. وكانت الدكتورة موضي دائمة الإتصال والتواصل معنا .. كانت تتصل بي بعد الدوام وكنت أرد عليها في البداية : آلو .. ومع مرور الوقت تحدث التغيرات وتتفرع التفاصيل .. فتزداد المهمة صعوبة ومسؤولية .. تتغير على الفور لغة الرد على الهاتف التي كانت كنت بألو... وسرعان ما تنتهي : ربنا يستر...آخر أيام الإحتفال بالتخرج  وبعد مغادرتنا لفندق جاي لورد الذي أقيم فيه الإحتفال وفعالياته اتصلت بي الدكتورة موضي .. كانت لفتة جميلة منها .. وهي ترسل تهانيها وتقديرها للموظفين والعاملين معها ممن شاركوا في هذا الحفل .. قالت لي الدكتورة موضي : ( الآن تقدري تردي على التليفون من غير ما تقولي ربنا يستر)

بعد انتهاء الحفل والرجوع إلى المنزل في أول ليلة : ايقظني ابني أحمد في الليل وقال ( ماما انا عايز اشرب ففتحت عيني وقلت له : أيوه يا أستاذ انت ساكن في فندق الماريوت) .. كان عقلي الباطن مازال يعيش لحظات الحفل وجهد الأيام التي مضت ... تلك اليام التي أمضيناها مع مجموعة كبيرة من الطلاب المتطوعين الذين لم يبخلوا بجهد أو بعمل ليقدموه في هذا العمل الكبير .. عشنا معهم تلك الأيام الأربع اسرة واحدة .. وعشت مع نفسي هذا الزخم وهذه الفرحة فقد إكتسبت في التنظيم والإعداد تجربة كبيرة لا تقارن بأي تجربة لي من قبل

تحديثات فيسبوك وتويتر