في الشارع الأمريكي لحظات ومواقف وأحداث كثيرة لا تنسى ... خاصة إذا كانت تخص الغريب الطموح القادم من البلاد البعيدة ليحقق الحلم الذي سعى إلى تحقيقه .. في الشارع الأمريكي إناس جاءوا إلى هذه البلاد وقطعوا ألاف الأميال وتجشموا طول الرحلة وعرضها .. وتحملوا آثار الغربة ومصاعبها وبعدهم عن الوطن من أجل الوصول إلى ما طمحوا إليه وبذلوا الغالي والرخيص  لتحقيقه ..

 

في الشارع الأمريكي إناس خطوا درجات سلم المجد طالبين العلا .. منهم من تواروا ومنهم من ظلوا في الساحة بارزين متألقين يستحوذون بكل فخر على المشهد الآني ويصبحون نجومه ... في الشارع الأمريكي خريطة عالمية تحمل ملامح الجنسيات المختلفة وكفاحهم في العلم والمعرفة والإستفادة من الجديد لتعلمه وإدراكه وتحصيله من أجل تنمية بلادهم وتقدمها ... وأخيرا .. في الشارع الأمريكي المنافسة في العلم والتفوق والإنجاز حامية الوطيس لا تستثني أحدا ولا تجامل أحدا بعرقه ولونه أو دينه .. في سباق العلم والمعرفة لا يوجد إستثناء.. يحدث ذلك أيضا في كل مناحي الحياة ومختلف المجالات ... كثيرون منهم جاءوا من كل بلاد العالم إلى هذه البلاد لينهلوا منها مايحقق أمل وحلم الوطن فيهم ... منهم سعوديون وغير سعوديين .. منهم أفارقة وعرب وآسيويون وأوروبيون .. منهم مسلمين وغير مسلمين ... أجمل ما تراه في الساحة الأمريكية وداخل جامعاتها في لحظات الإحتفال بمراسم التخرج ذلك النسيج الذي يحتفي بألوانه وتنوعها .. وهذا المزيج الرائع الذي لا يقبل في لحظات فرحه آثام الفرقة والتعصب أو التحيز بين بني الإنسان ... خاصة حينما يكون الفرد قادما من بلده البعيد فإذا به واحدا من الذين تمنحهم الجامعة الأمريكية شهادة نجاحهم وتفوقهم بغض النظر عمن يكون ومن أي بلد جاء .. لا تسألني كيف يتولد الإحساس عندك .. حينما تشعر بهذه اللحظة .. وكيف ينمو ويتنامى فيملأ صدرك بمشاعر الفرح الفياضة وآياته الكبرى .

يحدث ذلك في كل الجامعات في آن واحد وفي مناسبة واحدة وهي التخرج ... لا يختلف مشهد الفرح والفخر بالإنجاز كثيرا عن غيره وإن إختلفت الرؤى والملامح وشكل الإبتسامات ... نفس الطلاب وإن إختلفت أسماؤهم .. ونفس أولياء الأمور وإن إختلفت العرقيات واللكنات والعقائد .. يحدث ذلك في كل الجامعات فلا بأس إن إخترنا جامعة منها لتكون نموذجا ومثالا لها ... نعرج إلى جامعة تنيسي الوسطى الحكومية Middle Tennessee State Universityونختارها .. تلك الجامعة الأمريكية التي تأسست عام 1911 في مورفريسبورو بولاية تينيسي ... لا تسألني عن أسس وقواعد الإختيار فكثيرا ما لايكون ذلك متوفرا أمامنا حينما تحكمنا تلقائيتنا للسير والبحث عن الخريج السعودي لا غير ..  ونحمد الله أن السعوديين قد ملأوا الجامعات في كل الولايات الأمريكية بطموحاتهم وأمنياتهم وإنجازاتهم وحضورهم أيضا ... لا تهم الجامعة أو الولاية .. كل ما يهم مقدار الفرحة وقوتها وسرعة وصولها للناس  .

بدأت مراسم التخرج بالجامعة في تمام العاشرة صباحا ... لا اكثر ولا أقل .. إذ يحكم الإداريون ومنظموا مثل هذه الإحتفالات دقة الموعد وسرعة ودقة تنفيذ البرنامج بالدقيقة  والثانية .. لذلك رأت اللجنة المسؤولة عن التخرج ضرورة تواجد الخريجين لتسلم البطاقات والتعليمات بموقع مراسم الإحتفال بمركز ميرفي Murphy Center قبل ساعة من موعد البدء ... وعدم السماح  بدخولهم من المداخل المخصصة لبدء المسيرة بعد تمام التاسعة والنصف .. كانت القواعد صارمة تلتزم بدقة التعليمات والمحافظة على السلوكيات والعمل على تنفيذها بكل حزم .. كان يحق للإدارة مثلا سحب الخريج من الصف في التو إذا تجاوز الحدود المسموحة لسلوكيات الفرد ومسؤوليته بين الحشود .. لم يسمح أيضا للحضور من الخريجين والزائرين بإستخدام الهواتف المحمولة أو جلب الأبواق الهوائية وغيرها من الأجهزة أثناء مراسم الإحتفال .. كما لم يسمح لهم بمغادرة المكان قبل موعد إنتهاء هذه المراسم التي إستغرقت نحو الساعتين ونصف الساعة .. كان من بين التعليمات أيضا إلتزام الخريجين بإرتداء زي التخرج أثناء الحفل ولم يسمح بمخالفة ذلك إلا للخريجين التابعين للكليات العسكرية الذين يحق لهم إرتداء الزي العسكري بدلا عن القبعة والروب الجامعي.

بدأت مراسم الإحتفال بالمسيرة التي أعقبها جلوس الخريجين كل في موقعه وبدء برنامج الإحتفال ... يصعب على المرء ترجمة حالة الفرح والإنشراح التي تعتري كل منهم .. يصعب عليه حصر القصص والحكايات التي تعبر عن كفاح وإجتهاد كل منهم في سبيل تحقيق هذا الحلم الذي تختلط فيه الأحاسيس وتمتزج فيه الدموع بالإبتسامات .. ها أنا ياأمي قد حققت لك ما تريدين .. وها أنت يا أبي فخور بي وبما أنجزت .. تكثر القصص وتتمادى في غيها فتنقلنا من شجن إلى شجون .. جلس الخريجون نجوما يقتسمون ساحة ومسرح العرض .. ومن حولهم جلس الزوار والحضور من الأهل والأصدقاء في الأركان المخصصة للجمهور ..  كلاهما يتابعون رحلات الكاميرات وهي تتنقل بينهم بلهفة وفضول بينما تتسلل العين المجردة لتثبت وجودها وخصوصيتها في المشهد العام ...  تتوقف العدسات عند الملامح الجاذبة للإنتباه .. طفل رضيع  أو شاب ضرير ... عجوز طحنته السنون ولم تعفه من اللهفة والحب على أجياله الذين جاءوا من بعده ... جدة جاءت لترقب بعينيها الضامرتين تلك السنين التي ومضت وهي تغزل في ثوب ذكرياتها نشأة حفيد كان طفلا وصار رجلا الآن ... يظهر الخريجون كتلة واحدة لا يجوز تصنيفهم بين رجال ونساء أو آباء وأمهات ... رغم أنهم يمثلون أجيالا عدة ففيهم الأب والأبن والحفيد وربما إبن الحفيد ... الفرق بين رؤية العين ورؤية الشاشة الكبيرة أن الأولى تستأثر بجزء من الحدث وتركز عليه .. بينما تكمل الشاشات وعدساتها الكبيرة  صورته من الألف إلى الياء ... بالعين المجردة قد لا تستطيع أن تفسر الملامح كما هي في الواقع بينما ترى في الشاشة والكاميرات أن الخريجين والأساتذة وأولياء الأمور والأصدقاء قد صاروا مجرد بورتريهات ووجوه مستديرة نتأملها من بعيد في لوحة الحدث .. فنشعر بمهابة المناسبة وأهميتها .. لم تعد الملامح تهم إلا اصحابها الذين يتابعون بكل حذر حركة الخريج الذي يخصهم واين يقع مجلسه بين الخريجين .. قد يتطوع بنفسه بالإعلان عن وجوده والتعريف بمكانه وسط الحشود .. الأداة الوحيدة المتاحة له في هذا الخصوص هو الإشارة وحركة الجسد بينما يظل للحاضرين بالإضافة إلى ذلك ميزة إستخدام العدسات المكبرة .. يجلس الجمع وقد تسمرت أعينهم على الأمل وعلى تلك الكلمات والخطابات التي يتبادلها الأساتذة والطلاب على المسرح ... لا يوجد في هذا اليوم بالتحديد .. تحليلات سلبية ... ففي يوم الإنجاز والإعلان عن النجاح الحتمي .. لا تأتي الإجابات إلا بما يتفق مع حالة التفاؤل والحبور .. هاهم الخريجون يتسلمون شهادات تكريمهم .. ترتكز الكاميرات على الوجوه السعودية من الخريجين .. فيتفاعل معها الحضور .. تستطيع أن تفهم ذلك من سرعة التجاوب وردود الأفعال فلدينا للتعبير عن الفرح وسائل كثيرة إعتدنا أن نقوم بها في عالمنا الشرقي ... كلما ذكر إسم يحمل النكهة العربية تسمع الزغاريد والصفير وصيحات الإبتهاج ... شيئ مختلف جدا تلاحظه في مثل هذه الإحتفالات خاصة بالنسبة للمغترب فأهله هم أبناء وطنه وعشيرته وقوميته وكل من ينتسبون إليه باللغة والفكر والعقيدة ... ليس فقط زملاء الدرب بل أيضا كل الأخوة والأخوات الذين ربما يحضرون لشخص ما فإذا بهم ينضمون إلى هذا الجميع الكبير الغفير الذين ينتمون إليه ..  إنتهى الحفل .. ولم تنته أمسيات الفرح والتهاني .. الإحتفاء واجب في مثل هذه التجمعات ... وقد حان دور الأندية الطلابية لتحتفي بزملاء الدراسة وأعضائها من الخريجين .. أصبح لدينا الآن جمعين ... كل منهما قد إختص بفريق .. جمع لفريق الخريجين والآخر للخريجات .

في القاعة المخصصة للإحتفال بالخريجات بمجمع نورثفيلد حضر 35 سيدة .. جئن للإحتفال بالخريجات وتكريمهن ... وهناك ألقت المبتعثة مبخوتة المري مشرفة شئون الطالبات كلمة النادي وإستهلت كلمتها بالترحيب بالحضور وعبرت عن فرحتها وسرورها نيابة عن زميلاتها  بالخريجات وما حققناه من نجاح وتميز .. ثم تلا ذلك كلمة الخريجات و تلتها عليهن الخريجتان علية العرياني و ايمان الحربي .. كثيرا ما يتنافس الطابع الرسمي للإحتفال مع الطابع الإجتماعي الفرح المرح الذي لابد في النهاية أن ينتصر ... في أجواء مثل هذه كان لابد للنادي من خلال عضواته أن يغتنم الفرصة للتعبير عن دوره  ومشاركته بل ومسؤوليته في الإحتفال بالخريجات وتكريمهن .. فخصص في برنامجه فقرة للتكريم وتقديم الدروع .. جاءت قبل بدء فقرة حفل العشاء التي تضمنت المشاركة في تقطيع كعكة التخرج وما أعقبها من غناء ورقص .. كانت فرحة الخريجات وسعادتهن لا تقدر بثمن وكانت الانطباعات السائدة من الحاضرين لا توصف .. فقد إنهالت عليهن عبارات التهنئة والمديح متمنين لهن التوفيق.

وكما إحتفت المبتعثات بالخريجات إحتفى المبتعثون وأعضاء النادي بخريجيهم فإجتمعوا في صالة الحفلات بفندق هامبتون بنحو تسعين مبتعثا وخريجا .

 إفتتح الحفل بكلمة المبتعث سامر القحطاني رئيس النادي الذي اعرب فيها عن سعادته وسعادة أسرة النادي وأعضائه بالخريجين وقدم لهم التهنئة والتمنيات بالتوفيق في مستقبل حياتهم كما قدم الشكر للحاضرين على الدعنم والمساندة  وعلى حرصهم الدائم في دعم الأسرة الطلابية وتماسكها .. وقد أعقب ذلك كلمة من ضيف الحفل الشيخ الدكتور اسامة بهلول رحب فيها بالحضور وشكرهم على حسن الإستقبال وكرم الضيافة ... ثم تبع ذلك مشاركة من الدكتور عبدالرحمن الغامدي تحدث فيها عن برنامج الإبتعاث الحالي و الفروقات بينه و بين ايام ابتعاثهم في الثمانينات الميلادية و حث الجميع على إنتهاز هذه الفرصة واستثمارها والإستفادة منها .

حانت كلمة الخريجين .. فقام الخريج مازن الغامدي بتقديمها نيابة عن زملائه الخريجين .. ومن بعده قدم الطالب الشاعر حمد المري مشاركة شعرية لاقت استحسان الحضور .. لم ينته البرنامج بعد ... بل كانت هناك فقرات وفقرات أعد لها في البرنامج ولم يأت موعدها بعد ... من أهمها فقرة تكريم إدارة النادي للخريجين بدروع تذكارية قام بالمشاركة في تقديمها الدكتور صالح سبيناتي المشرف الأكاديمي على النادي بالجامعة ..  ثم حانت بعد ذلك فقرة حفل العشاء وما صاحبها من المشاركة في تقطيع كعكة التخرج .. وقد أختتم حفل التخرج بمشاركة الحضور للخريجين في تقديم ألوان من الفلكلور والفنون الشعبية الموسيقية الراقصة في أجواء حميمية  تغمرها الفرحة والسعادة بهذا الإنجاز .

الجامعات تحتفل بتخرج أبنائها ولا تفرق بينهم ... كنا على موعد مع جامعة من هذه الجامعات وهي جامعة تنيسي الوسطى الحكومية التي تصنف من قبل معهد كارنيجي بانها جامعة بحثية مكثفة للدكتوراه .. تلك الجامعة التي تأسست كمدرسة حكومية عادية في عام 1911 ولم تحصل على هويتها الأكاديمية إلا في عام 1965 .. تقع هذه الجامعة على مساحة 466 فدانا وتضم أكثر من 100 مبنى وتنقسم إلى سبع كليات .. وهي معتمدة من قبل الرابطة الجنوبية للكليات والمدارس .. شعارها الدائم ومهمتها الأساسية كما يقول بيانها انها جامعة تقوم بإعداد طلابها لكي يصبحوا منتجين مثمرين حريصين مدى الحياة على توظيف معارفهم العلمية وفهم الثقافة والتاريخ بالتفكير والنقد والإبداع ".. وها أنتم ايها السعوديون قد تخرجتم منها فهنيئا لكم .

 

 

 

تحديثات فيسبوك وتويتر